Donnerstag, 17. Oktober 2013

الفصل الأول: ما وراء التحرير


مدخل
ماوراء صورة التحرير

في يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط من العام ٢٠١١ وصلت تظاهرات المعارضة المدنية لحكم حسني مبارك المستبدذلك الحكم الذي حول مصر إلى دولة بوليسية بجدارةإلى ذروتها مع خروج الملايين منادين بـ"إسقاط النظام" الذي نالوه في نهاية المطافلم يكن ما جرى في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني ٢٠١١ ظاهرة وقعت بين ليلة وضحاها، وإنما استغرق اختمارها سنوات، سنوات تحولت فيها الفضاءات العامة من مواقع العمل والمقاهي والمسارح والرواقات الفنية والمساجد إلى ساحات تجسد فيها "برلمان الشارع".  خرج ذلك البرلمان في نهاية المطاف إلى الشوارع وأحكم قبضته عليها، بحسب ما جاء في مقال محمد الشاهد "ميدان التحرير: الإعلام المجتمعي والفضاء العام والثورة في مصر." لقد قامت أحداث العام ٢٠١١ على ركيزة من خبرات تراكمت طوال العقد السابق، ولا سيما العام ٢٠٠٨. حينما نادت بالتغيير مختلف طوائف الشعب المصري، وقد جمعتها روابط الزمالة أو الجيرة أو الانتماءات الدينية والمذهبيةلقد نبعت أحداث العام ٢٠١١ من ذلك التآلف ما بين تلك المشارب المتباينة في حركة واحدة قوية، وإن كانت مؤقتةلا يسعى هذا العمل إلى حصر البنيات المجتمعية والسياسية المركبّة التي تولد عنها زخم الثورة، وإنما ينصب اهتمامنا هنا على سياسات الصورة التي تكشف عن نفسها في صميم العلاقة المتبادلة ما بين العملية السياسية والتمثيل البصري.  

لقد وُصفت الثورة المصرية بأنها "أكثر الثورات تلفزة على الإطلاق"كما حملت اسماء عدد من مواقع التواصل الاجتماعي وعقدت مقارنات بينها وبين ثورات الكتلة الشرقية السابقة وحركة "احتلوا" الراهنة بوصفها صرخة عالمية من أجل الديمقراطيةلازال إثمار تلك المقارنة مع حركات الاحتجاج الشعبية في الغرب أمراً غير محسوم، كما يشير فيليب رزق في "رسالة إلى المتفرج"،  شأنها شأن مساعي وصف وسائط شبكة الإنترنت بأنها المحرك المركزي للعملية الثورية، لا وسيلة تطبيقية لها، فكما لا يخفى على أحد  فإن حشود المتظاهرين قد تضخمت في أيام انقطاع شبكة الإنترنت الستة من ٢٨ يناير/ كانون الثاني وحتى ٥ فبراير/ شباط، ولم تندحر أثنائها.  

إن ما هو ليس محلاً للشك في اللحظة الراهنة، بعد أكثر من عامين من اندلاع شرارة التظاهرات وفي خضم دائرة لا تنتهي من الاحتجاجات التي استتبعتها، لهو القوة الهائلة التي تنطوي عليها الصور التي أفرزتها الثورة، والصور التي أفرزت الثورة جزئياً في رأينا

ثمة عدد من العوامل المحركة لهذه العملية التبادلية، يتصل عدد منها بالتقدم التقني دون شكأحدها هو وصول تقنيات تسجيل الصورة إلى طيف عريض من أجهزة الاتصالات المحمولة والمتاحة بشتى الأسعارإن انتشار تقنيات الصورة وإتاحتها في غالب أرجاء البسيطة ومن ضمنها السياق الراهن في مصر قد ترك أثراً مباشراً على إدراكنا الحسيّ، وآخراً غير مباشر على أنماط سلوكنا المجتمعيإن كل لحظة تغدو في حد ذاتها صورة محتملة، وكل صورة تغدو فرصة محتملة لصوغ هويتنا المجتمعية والتعبير عنها، وفي أحيان موقفنا السياسي.  

في ظل القمع الوحشي، تصير كل كاميرا شاهداً يمثّل نظرياً عدداً لا يحصى من المشاهدين وممن قد يتعاطفون إيجابياً بمجرد إتاحة الصور على الإنترنت، وهي الخطوة التي صارت تجري بمنتهى القرب من لحظة التسجيل نفسهالقد تنامى حقل من الهواتف ذات الكاميرات من بين الحشود في ميدان التحرير وغيره من بؤر التجمهر، ومن ثم تضاعفت كتلة المتظاهرين فضمت ما يعادلها من رؤى كل من يبث رؤيته من المتظاهرين.

لقد عقد فيلسوفا الصورة سوزان سونتاغ ورولان بارت تشبيهاً ما بين الكاميرا والسلاح المسددإن التزاوج الاستعاري ما بين هاتين الأداتين قد بات اليوم غاية في الوضوح، فقد رأينا من الثوار السوريين من "يبارز" بنادق القناصة بكاميرات الهواتف كما شهدنا في مصر استهداف لأعين الصحافيين الشعبيين من قبل "صائدي الأعين".  

لقد قام المتظاهرون المصريون بتحويل عملية توثيق شهاداتهم إلى كاميراتهم، وهي الدائرة التي استوعبها العسكريون وردوها على نحرهم حينما استهدفوا عيون غرمائهم الحيوية، لا عيونهم الميكانيكيةوقد ذهبت كافة الجهود التي بذلت من أجل أن تمنع ميدان التحرير من أن يصير صورة ذات ثقل دولي أدراج الرياح كما نعلم جميعاًلقد حفرت صورة الميدان من علٍ وهو يهدر بصوت من جمعهم قيامهم ضد نظام مستبد في ألبوم الثورة العالمي.  

لقد رأينا في هذه الصورة كافة الأحداث المتكشفة أمامنا، رأينا التاريخ متجسداً في أيقونةوبذا تحول التحرير إلى حيز مادي وفي الوقت ذاته حيزاً رمزياً مجرداً متخيلاً 

أي سياسات تكشف عن وجهها حينما يصير التاريخ صورة؟ وأي أدوار تلعبها صور التواريخ الأخرى المشابهة في صوغ تلك الصورة؟ أيجوز لأيقونات الأحداث المنصرمة والتي قد تندرج تحت تصنيف "الثورة" الرسمي أن تغدو ألبوماً أيقونياً أشبه بالعالمي ينتهجه تمثيل أحداثاً جديدة تندرج تحت التصنيف ذاته؟ 

إن جاز ذلك لكان في خدمة هذه العملية وظائف بحث معياري مصوّر تتيحها محركات البحث على شبكة الإنترنت مثل جوجل، بحيث تفرض سلطة الصورة بمجرد إرساء أهميتها النسبية (رياضياً)، إذ تصير تلك الصورة هي (أول) ما يطالعنا به محرك البحث يتبعها شلال من النسخ التي تحمل التبويب ذاته

أولئك الراغبون في تمثيل مجريات الحاضر بوصفه لحظة ثورية، أتراهم واعين أم غير واعين حينما يرجعون لتلك الألبومات في تواصلهم وفي أدائهم الجمعي؟ حينما يركع المتظاهرون أمام قوة الشرطة الكاسحة، مستعرضين تضحيتهم بأرواحهم بصدور عارية وأذرع منفرجة، أيجوز أن نرى في هذه الصورة استعادة لصور شهداء ثورات الماضي من داوود التوراتي مروراً بيسوع الناصري وانتهاء إلى سجناء غونتنامو المنبوذين؟  أيجوز أن نلمس في هذه الوضعية وعياً بـ"صيرورة الصورة"، معرفة بالوضعية التي يتخذها جسد المرء وتجعل منه وسيطاً يحمل رسالة تتخطاه وتتخطى اللحظة الراهنة؟ وعياً يعبر عن نفسه في آونة في صورة نشوة، شأن حالات متظاهري التحرير الذين يعرضون في حبور بثاً حياً من التحرير على حواسبهم المحمولة: فيتبادلون تسجيلاً لحدث يساهمون هم أنفسهم وفي لحظة البث ذاتها في خلقه.  

Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen