ملاحظات عن خداع بصري حول ميدان التحرير: مشروع 'لا جدار'
أندرياس سيكلينجر
(الشكل 1)، (الشكل 2)، (الشكل 3)
قام الفنان الطبيعي والمهندس المعماري فيليبو برونيليتشى عام 1413 بتطوير طريقة لتمثيل منظور الفضاء الحقيقى. على الرغم من فقدان لوحات1 فيليبو ذات المنظور الأسطوري والتي اعطاها المعاصرون مثل ليون باتيستا البرتى2 وصفا تفصيليا، الا انها قد اثرت فى تاريخ الفن بطرق حاسمة. ان ابحاث برونيليتشى التى تمزج بين الهندسة والرياضيات جعلت رسم لوحات ثلاثية الابعاد على سطح مستوى مسالة حسابية. ان البناء الذي يدعمه برونيليتشى في عمله " الثالوث" (1427-1428) قد اثار تعجب جيورجيو فاسارى مما القى الضوء على اهمية تطوير العمق البصري بالنسبة للفنان والمهندس المعماري.
يرى فاسارى ان أجمل ما في اللوحة بجانب الاشكال هى الازهار التى رسمت بصورة حيث يتناقص حجمها شيئا فشيئا ليتوهم من يراها بوجود ثقبا فعليا بالجدار. (ترجمة الكاتب)3
يحقق الابداع الفني المتمثل في المنظور الخطى تأثيرا هندسيا ثلاثي الابعاد من خلال اظهار الصورة المرجوة على لوحة هندسية ثنائية الابعاد حيث يرى من يشاهد الصورة تأثير الحائط مقعر مما يؤدى الى صوره جديده تماما تختلف عن سابقتها في فن الرسم. لقد تخطت هذه المشاهد الخداع والواقعية في الفن القوطي.
انتشر هذا الاسلوب بشكل سريع حتى تبناه عدد من الفنانين والمهندسين المعماريين. يعد التصميم النصف دائري لكنيسة ميلان التي تقع في سانتا ماريا بريسو ساتيرو (1478) والذي قام به دوناتو برامانتى، أحد الأمثلة لهذا الاسلوب وكذلك تصميم جاليريا سبادا بروما من قبل فرنسيسكو برومينى (1652-1653). ان الفن المعماري في كلا المثالين قد تم تشويهه ليعطي احساسا بعمق المساحة المتاحة والتي في واقعها ليست بهذا العمق.
كان الخداع البصري الذي يظهر في ذلك العصر مبنيا في المقام الاول على مبدأ الراحة والرؤية المشهدية. هذا التصميم يشابه ذاك المستخدم في المسرح والذي يهدف الى اضفاء عمقا بصريا تجاه خشبة المسرح. ان تصميم الرؤية المشهديه يختلف عن منهج الرؤية الخطية لأنه يتعامل مع الفضاء الملموس كجزء من البيئة4.
(الشكل 4) تظهر اللوحات الجدارية في يومنا هذا في صورة اشكال حضارية تستخدم احيانا كوسيله لإضفاء تأثيرا جماليا على الجدران الغير جذابه والتي لا تتماشى مع المشهد الحضاري.
- - قام انتونيو مانيتى كاتب السيرة الذاتية لفيليبو برونيليتشى بوصف المشروع عام 1475 حيث يرى ان فيليبو استخدم لوحا مربع يبلغ حجمه 30 سم تقريبا من كل جانب ليرسم المعمودية بدقه بالغه. استخدم الرخام لإضفاء شكل جمالي. كما يرى انتونيو ان دقة فيليبو في الرسم لا يمكن حتى لصوره مصغرة ان تحاكيها. لإثبات مطابقة الصورة للواقع تم عمل فتحه نحو الجزء الخلفي للوحه حتى إذا نظر المشاهد مستخدما زاوية محددة (حوالي 60 سم داخل باب الكاتدرائية) يمكنه رؤية الصورة الحقيقية للمشهد، بالإضافة الى ذلك فاذا امسك المشاهد بمرآه باتجاه مناسب يمكنه ان يلاحظ الفرق بين المشهدين الحقيقي والخيالي. تتألف السماء في هذه اللوحة من رقائق الفضة حتى تصبح السماء حقيقية كالمرآه. ** من كتاب سرجيو سامارونى و شيت ديب بعنوان برونوليتش وخلف المنظور. زانكيللى للطباعة 2010.
- - خصص البيرتى اطروحته بعنوان "بيكتورا" (1436) الى بيبو اركيتيكت بهدف ان يستخدم بيبو عقله البارع في اية اخطاء او نقاط ضعف في اعماله.
- - Giorgio Vasari, Vite de' più eccellenti pittori, scultori e architettori, 1568
- - From: Gatano Fano, Correzioni Ed Illusioni Ottiche in Architettura, 1979, Edizioni Dedalo, page 58
يتم تطبيق هذا الاسلوب في كثير من الاحيان بهدف انشاء فتحات تخيليه داخل التصميم للمساحات الضيقة او رسم نظره عن عالم أفضل، من خلال مناظر خلابة للخداع البصري. يختلف فن الرسم على الجدران الذي يجسد الصراع السياسي عن الرسومات التي يغلب عليها طابع السلبية والتي تحكى قصصا تهدف الى تحسين تجربة الاسترخاء بمعناها الحديث (انظر الشكل رقم4). ان تلك اللوحات بما تثيره من اعجاب لدى المشاهد لا تختلف كثيرا عن الصور التي اثارت اعجاب جورجيو فاسارى.
يمكننا ان نلاحظ التطور الدائم الذي شهدته الفنون المتنوعة كالجرافيتى واللوحات في ضوء التغير الدائم في المشهد السياسي في مصر وبخاصة اللوحات التي تواجدت حول ميدان التحرير. تلك الاشكال المرئية المختلفة للتظاهر تتعرض للتعديل واعادة الرسم بصوره سريعة ودائمه. كما تتعرض المعاني ايضا للتغيير السريع. بالرغم من هذا فان الجدير بالذكر هو الاستخدام المستمر للجدار كموضوع مشترك وعقبه ثابته يحتاج المرء ان يتخطاها. ان الجو العام للتصوير بشارع محمد محمود حافلا بأمثله الاعتراض فنرى فن الجرافيتى واللوحات الجدارية التي تعبر عن حالة السخط العامة تجاه ما هو خاطئ وما يحتاج الى التغيير. لتصبح ساحة لمناقشة الاحداث وتكريم الابطال والتخلص من الطغاة. اما في انحاء اخرى من ميدان التحرير ننظر الى الجدار كمضمون يتحدى الطلاء وحدوده.
تسعى اللوحات الجدارية الى اظهار عمق المساحة حول الحواجز التي تحول دون انتشار الثوار بالمكان. يعد التغيير المستمر للوحات الجدارية رمزا للثورة المصرية من الناحية الفعلية والتشبيهية، سواء كان هذا التغيير في صورة تعديل او محو او اعادة طلاء. تتحدى الثورة الحواجز لكنها في نفس الوقت دائمة التغير حتى لا تتحول هي الاخرى الى حاجز.
قام المجلس العسكري بوضع حواجز بالشوارع التي تحيط بميدان التحرير بهدف منع المتظاهرين من مهاجمة وزارة الداخلية. تضيف ثريه مرايف5 "من الصعب ان ننظر الى هذه الحواجز دون ان نتخيل التشابه بينها وبين الأراضي المحتلة او حائط برلين أي بالنسبة للسياق المصري فقد تم بناء تلك الحواجز من قبل نظامنا العسكري، ومع هذا فإننا لا نعلم ما إذا كان الهدف من الحواجز هو تضييق الخناق علينا او تامين أنفسهم. لقد هدأت الاحتجاجات اليوم لكن الحواجز لم تتحرك. ان متاهة السير المروري حول الحواجز الخرسانية اثارت غضب سكان محمد محمود. اتجه فنانو الشوارع للرسم على الجدران الخرسانية كشكل من اشكال الثورة على السياسة القمعية للمجلس العسكري. بدأت مجموعة من الفنانين والناشطين في 9 مارس 2012 مشروع "لا جدار" لتحويل الجدران السبعة الى مساحات افتراضيه واسعه وقامت هذه المجموعة المنتقاة بالعمل على ستة جدران فقط حتى الان. تلك المجموعة تشمل المخرجة سلمى الترزى والفنان محمد المشير وحسام شكر وهناء الضيغم وزفت وعمرو نظير وليلى ماجد وعماد أبو بكر وأخيرا الآء عواد".
- 5- عجائب الثورة السبع لثريه مرايف
تمثل الرسومات على الحواجز الخرسانية الضخمة التي تسد المدخل الى التحرير خلف الجامعة الأمريكية مرحلة الذروة التي وصلت اليها حواجز السلطة. تصف لوحة عمار أبو بكر بما فيها من تفاصيل الشارع الذي تحجزه المصدات ومع هذا تظهر اللوحة الجدارية الشارع المغلق بما فيه من وجوه من خلال منظور طبيعي خطى. يتضح الشكل الرائع للوحة حيث اننا للوهلة الأولى لا يمكنا رؤية الجدار. شهد شارعي يوسف الجندي وفريد أسلوبا مشابها حيث نرى على الجدار المواجه لوزارة الداخلية لوحه لشخصية هندله6 رافعا سيفه في وجه الحكومة (الاشكال من رقم7 الى رقم9).
تظهر المقاومة الثقافية للخداع البصري المتمثل في اختفاء حاجزا تم بناءه لحجب وتقييد الحريات. ان رؤية فاسارى، كأنه يوجد ثقب بالجدار، تم تحديثها. صممت اللوحات الجدارية لعصر النهضة لتبقى حتى تنير عقول الناظرين وتظهر قدرة الفنان على التعبير الجمالي. اما بالنسبة "لمشروع جدار" فقد أصبحت لوحاته جزءا من البيئة المتغيرة للمدينة التي تتغير على مدار الشهور وأحيانا الأيام، لتصور التعبير الفني بطريقه قد تكون أفضل من الاحتجاج السياسي والاجتماعي.
قام المتظاهرون مؤخرا بتفكيك الجدران وهم في غفلة عن الرموز التي تظهرها تلك الجدران الا ان الشرطة اعادت تجميعها بشكل سريع دون الاهتمام بالتكوين الهندسي مما تنتج عنه فراغات وتشوهات وأجزاء متقطعة للوحه الجدارية.
ان تحطم كتله من الحواجز الخرسانية أحدث فراغات بين أجزاء اللوحة الجدارية ليصبح عبور الناس خلال اللوحة رمزا لعهد جديد يشهده القرار السياسي.
المراجع
Gatano Fano, Correzioni Ed Illusioni Ottiche in Architettura, 1979, Edizioni Dedalo
Sergio Sammarone, Corso di Disegno, Zanichelli, Bologna 2010, online under: http://online.scuola.zanichelli.it/sammaronedisegno/files/2010/03/Zanichelli_Sammarone_Brunelleschi.pdf
Works of John Plugh online under: http://www.illusion-art.com/chilis.asp
Giorgio Vasari, Vite de' più eccellenti pittori, scultori e architettori, 1568
Soraya Morayef, The seven wonder of the revolution, online under http://www.jadaliyya.com/pages/index/4776/the-seven-wonders-of-the-revolution, consulted on 19/10/2012
- 6- هندله هي أشهر الشخصيات التي رسمها ناجى العلى،
يعرف ناجى سليم العلى بأعماله الفنية التي تعتمد على أسلوب السخرية السياسية من أنظمة الحكم العربية والإسرائيلية.
Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen