Donnerstag, 17. Oktober 2013

فيليب رزق: ٢٠١١ ليس ١٩٦٨



 2011 ليست 1968: جواب مفتوح لمن يشاهد

فيليب رزق



خرج المصريون في الثامن والعشرون من يناير 2011 إلى الشوارع في مسيرات إحتجاجية قوية، وجلس المشاهد بتركيز شديد أمام شاشات التلفزيون ليتابع هذا الحدث المُذاع على العديد من القنوات الدولية وأدى إنبهاره بالصور المتتابعة القادمة من ميدان التحرير إلى تحفيز خياله، ثم شطح هذا الخيال. لقد ألهمت تونس المصريين، بل وأشعرتهم بالخزي، فشجعتهم على التحرك كما ساعدت ثورتنا في إلهام حركات من جميع أنحاء العالم، من حركة إحتلوا الميادين في أوربا لإعتصام مدينة ماديسون في ولاية ويسكونسن حتى حركات "إحتلوا". هذا بالإضافة الى العديد من الثورات التى لاتزال مستمرة ومنها، على سبيل المثال، البحرين وسوريا والسودان.

وفي محاولتها لفهم هذه المشاهد، لجأت وسائل الإعلام إلى مجموعة أفراد أصبحت هي من تمثل الثورة. حاورت هذه الوكالات الإخبارية معلقين سياسيين أو نشطاء -أخذت شهرتهم في التزايد- من أجل فك شفرة ما وراء الصور المعروضة. وأدى إلحاق تفسير ومعنى بالصور إلى تحريف واضح لما يحدث بالفعل خلف الكواليس. لقد إعتمدت وسائل الإعلام الغير ناطقة بالعربية إعتمدت بالأساس على النشطاء الناطقين بالإنجليزيةأغلبنا من أبناء الطبقة الوسطى وأغلبنا  مُسَيّسون من قبل الخامس والعشرين من يناير. بنفس الطريقة لجأت أيضاً المحطات الإخبارية الناطقة بالعربية إلى نشطاء من الطبقة الوسطى ليتحدثوا بإسم الثورة. ما حدث أن كل فرد فيهم قد فسر كل لحظة بشكل يتسق مع إتجاهه الأيديولوجي وبهذا أصبحنا بمثابة مترجمين لثورة جماعية نحن أبعد ما يكون عن تمثيلها. لقد ظهر إنعكاس وجوهكم على وجوهنا، أصواتنا صارت مفهومة. لقد ساعدنا في تفسير الثورة وأعطى كلامنا معنى لما كان غامضاٌ لكم. الحقيقة أن تحليلنا للأحداث قد أرضى المتطلبات العملية ومعايير صناعة وسائل الإعلام لجمورها الذى تعود أن يرى متحدثين ذو شكل محدد وطريقة معينة في النقاش. والحقيقة أن هذه العملية قد طغت على أصوات الأغلبية. بغض النظر عن المجهود الذي بذلناه لإثبات عكس ذلك فالحقيقة أننا نستوفي شروط الدور المطلوب: شباب، طبقة وسطي، مُلِمين بخصائص بالإنترنت، وبالتالي ثوريون.

هل سمعت الأصوات الآتية من الطبقات الشعبية؟ هل رأيت عائلات الشهداء وهم متشحين بالسواد حداداً في بيوتهم؟ هل رأيت صور للمدنيين المجهولين الذين أصابهم رصاص القناصة من فوق أسطح أقسام الشرطة؟ هل رأيت ظباط الشرطة وهم يفتحون أبواب السجون لتبديد اللحظة الثورية وإحداث الخراب في المجتمعات المجاورة؟ هل رأيت المتظاهرين وهم يقتحمون أقسام الشرطة في الثامن والعشرين من يناير للانتقام من سنوات قضوها في عذاب غير مبرر من العنف والتعذيب والقهر النفسي؟ هل رأيت السيدات وهى تقوم بتحضير المولوتوف وتنزله من شرفات البيوت للانتقام ممن شوهوا حياة أبنائهم وجيرانهم؟ هذا كله لا يمت للسلمية بصلة، ولكن عدسة الكاميرا المثبتة على ميدان التحرير وحده في وضح النهار هي من طمأنتك وأعطتك هذا الإحساس. إعتمدت علينا بعد هذا صناعات أخرى مثل الصحافة الشعبية والأكاديميا والفيلم والفن والمنظمات الغير حكومية في أن نلعب دور المترجم لهذا الحدث الإستثنائي. وأخيراً قاموا بدعم تمجيد الفرد، الناشط، قضية الشباب، الفنان الثائر، المرأة، المتظاهر السلمي، مستخدم الانترنت. كل هذا حدث تلقائياً في إطار الحاجة الماسة لتحديد وتثبيت وتمجيد دور من هو مألوف. وبالتالي صار من غير الممكن تخيل وجود الثورة بدون وجود صورة المتظاهر المثالي الذي قام بحمايتك من مواجهة المجهول: انتفاضة جماعية ضد نظام عالمي مهيمن لا مكان فيه لمتفرج.

ساعد الإنترنت في خلق الهالة التى تؤكد أن كل هذا كان مألوفبعرض غضب الشارع من خلال وسيط تعرفه، قامت الرواية المعروضة على محطات الأخبار بتخفيف حدة الغموض المخيم على الأحداث وربطت خيالك بما هو مألوف. وقامت طبقات التحليل المخطوطة فوق الصورة بتبديد مخاوفك من المجهول. "هذه ليست إلا حركة ضد الديكتاتورية". "هذه صرخة الفرد من أجل الحرية". "هذه مظاهرة من أجل الديمقراطية". "الثورة سلمية". الانترنت قد حل محل الكلاشينكوف. هذا الحديث أسكت الكلام عن  الأبعاد التركيبية للظلم وأخفى دور السياسات النيوليبرالية التي تمارسها جهات مثل البنك الدولي والإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في تعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء. لقد نجحوا في جعلك تنسى أن الرغبة في العدالة الإجتماعية قد ولدت بالأساس من هذه التركيبات الظالمة. هذه الخطابات المهيمنة -خطابات الهيمنة- قامت بتحديد مساحة الإشكالية على سبيل المثال في هذه الديكتاتورية محلية المنشأ. ساعدت هذه الشهادات عن طريق عزل الجريمة والتركيز على فساد الأشخاص على تجهيز الساحة الإستعمارية الجديدة وشرانق النظام التي باتت خاوية ليتم إستبدالها بآخر يحافظ على نفس المنطق في الحكم.

ليس مفاجئا أن يكون أصحاب هذه الصور هم الوكالات الإخبارية التجارية التي تديرها مؤسسات تدعم وتُدعم من نفس أنظمة الهيمنة التي ثرنا ضدها. أصبحت الصور التي سجلتها كاميرات قنوات مثل بي بي سي أو سي إن إن ملكية خاصة لهذه المؤسسات ليستخدمونها في خطابهم الخاص فيحتفون بما يريدون الترويج له ويُسكتون ما يريدون تهميشه. إن وضع الصورة في كادر ثم إذاعتها هو في حد ذاته ممارسة للقوة. الحقيقة أن هذه الصور يتم تداولها بإسم الحرية، ولكن استخدام الصور لغاية المشروع الهادف للربح
  
لم يكن شباب النشطاء بأية حال هم ممثلي هذه الاحتجاجات، ولكنهم كانوا الصوت المهيمن الذي يتم تقديمه. لم نكن سوى حفنة من الأصوات من بين صرخات كثيرة متفاوتة تطالب بالتغيير. كل فرد بتخوفاته وشكواه ورغباته ودوافعه وأسبابه للانتقام. في أثناء إشتعال الإحتجاجات مالت الحركة إلى الأفقية، لم يكن صنع القرار مركزيا، كانت حركة بلا قيادة ولا يمكن تمثيلها بجهاز إعلامي يتمحور حول فرد ما، أو مقال مكتوب أو خطبة ملقاة أو كتابات فنية أو فيلم وثائقي عن شخصية بعينها. هذه الطريقة في التمثيل تزيف الواقع.


في هذا الجواب أقع أنا أيضا في نفس المنطق الخاطئ

اااا 2011 ليست 1968

كانت الستينيات مُحملة بالعديد من الأحداث السياسية: معارك المساواة العرقية، فيتنام، الحرب الباردة، اللفظات الأخيرة للإمبريالية الصريحة. من هذه اللحظة خرجت مرحلة 1968 بجيل شاب يواجه مشاهد بعيدة عن الإحتلال والإستعمار، جيل من الطلبة مفعم بالأيدلوجيا الراديكالية بسبب الواقع الإجتماعي والسياسي للحظة. بعد أكثر من أربعون عاما، استفزت آثار الامبريالية الناس من خلال غطاء ما بعد الاستعمار ودفعتهم مرة أخرى للتظاهر. تحت هذه الظروف، كما أصاب فرانتس فانون في قوله، نجحت القوى الإستعمارية القديمة في إخفاء إهتماماتها الإقتصادية خلف شراكات مع النخب الحاكمة في دول ما بعد الإستعمار. ولهذا فإن 2011 ليست 1968. إن ما حدث في 2011 هي إنتفاضة بسبب عدم الرضاء عن الواقع السياسي في وجود الإستعمارية الجديدة. 2011 لم تكن ثورة المثقفين، لم يكن فيها نماء للأفكار، لم يسير الشعب فيها راديكاليا، ولم تشتبك فيها البلاد في أزمة في خارج الحدود. لم تكن هناك أيدلوجية سوى أيدلوجية اليأس، ثِقَل النفاق وحدود شعب يعيش في إنكار لها. تصاعدت المقاومة بين العمال، والمعارضة الآخذة في النمو بين جنبات الطبقة المتوسطة الصغيرة مثل حركة كفاية وحركة شباب 6 أبريل، بالإضافة إلى صفحات المجموعات على الفيس بوك مثل كلنا خالد سعيد التي جاءت كرد فعل على القمع الممارس من قبل الطبقة السياسية الحاكمة لشعب كامل. مع حلول عام 1968 كان النزاع قد انتشر في كل مكان، ولكن حتى حلول عام 2011 لم يكن هناك سوى بذور ثورية جاهزة للإنبات


لم تكن في مصر حركة بعينها، بل كان فيها حراك، كما كان هناك زخم، قوة غير محددة أقوى من أي تنظيم أياً كان. أدى القمع تحت نظام مبارك إلى القضاء على أي بذرة تنظيم للمعارضة مما يعني أنه كان هناك بالكاد اي "يسار" يمكن الحديث عنه. كانت الجامعات ولازالت أماكن لاختلاس الاموال العامة وليست أماكن للفكر النقدي. شهد عام 2011 تسارع في الراديكالية السياسية  في مواجهة تسارع النيوليبرالية في السنوات السابقة. كان الشارع هو الأكاديمية، تبادلنا الحجارة بطلقات قوات الأمن  وأفراد الجيش، في الوقت الذي تبادلنا فيه الأفكار فيما بيننا. هكذا حدثت عملية التسيس الراديكالي بين المصريين الذين قاموا بالثورة. شارك في الاحتجاجات في الأيام الأولى من عام 2011 أعداداً غير متوقعة. كما كان الحال في الأرجنتين عام 2001، تميزت الاحتجاجات في الشوارع المصرية بالمشاركة من جميع الطبقات، الأعمار والجنس. وكما كان الحال في 1968 شارك بالاحتجاجات الطلاب والعمال، ولكن في مصر لم يشاركوا بصفتهم عمال وطلبة بل شاركوا كجزء من حركة شعبية. ظلت الاحتجاجات دون قائد يذكر؛ واجهنا جهاز دولة قامع وتراتبي ومسيطر، باستخدام أسلوب أفقي. فلقد كانت ضخامة الأعداد من المتظاهرين هي التي، حتى ولو لوقت قصير، جعلت الدولة المركزية تركع.
تباينت وتنوعت طلبات المتظاهرين، لم يكن هناك سبب واحد فقط هو الذي دفع بالناس إلى الشوارع والميادين في جميع أنحاء مصر يوم 28 يناير، رفض الناس باختلافهم أوجه مختلفة لنفس النظام الذي سيطر على حياتنا اليومية. أما المشاهد، فسيطرت عليه رغبة لفهم هذه الاحتجاجات التي باتت هي سبب وجود صناعة الإعلام، والتي سعت إلى أن تشبع هذه الرغبة. ومن وجهة النظر الغربية المسيطرة، وجّهَت نظرته العلاقة إلى الشائع، للمألوف، لما كان يعرفه مسبقاً، وجعل 2011 تبدو وكأنها 1968.


اااا 2011 ليست 1968. لم تكن الثورة في 2011 هي الثورة "التقليدية" للإشتراكيين: الطلاب والعمال يخرجون إلى الشوارع لكي يستبدلوا النظام القائم بنظامهم . ومهما حاول الناس جاهدين، لم تمتلك الأحزاب اي خطة مبدئية للثورة، لا قبل 25 يناير ولم يتغير هذا الوضع منذ هذا الحين. أصوات متحدة عَلَت بوضوح من البداية، "الشعب يريد إسقاط النظام"، خرجت من مجموع أصوات معارضة، تبلورت في الرغبة في إنهاء الوضع الراهن: بات التغيير ضرورياً، نوع من أنواع التغيير، ولكن شكل التغيير كان غير معروف. لم تكن هذه نقطة ضعف الاحتجاجات ولكنها شاهد على أزمة عالمية في تَخيُل أشكال بديلة للتنظيم المجتمعي في مقابلة الدولة النيو ليبرالية بين الاستدامة الذاتية والتدمير الذاتي.
بالإضافة إلى ذلك، ساعدت هذه الاحتجاجات الخالية من الأيديولوجية المجهزة مسبقاً، على خروج أفكار تحت الإنشاء، لمقاومة تحت الإنشاء لا تزال في بدايتها.

العمال والثورة
من اللحظات الفارقة التي جعلت ثورة 25 يناير ممكنة كانت موجات انتفاضة العمال التي بدأت في عام 2006. كان إضراب الـ27 ألف عامل بالمحلة الكبرى، ديسمبر 2006، هو من أعطى للمصريين فرصة لرؤية هذا العمل العظيم، أو أفسح الطريق للاحتجاجات العديدة التي تبعته، ولذلك فكرة الثورة اصبحت ممكنة. كان من الطبيعي أن تنتشر الاعتصامات والمظاهرات في أنحاء البلاد. دعا القادة المستقلين للعمال يوم 6 أبريل 2008 من نفس الشركة (مصر للغزل و النسيج) لإضراب آخر ولكن هذه المرة نجحت الحكومة في ردع الخطة عن طريق التسوية مع مجموعة مختارة من العمال قبل ميعاد الإضراب. كان طلب رفع الأجور مرتبط بارتفاع أسعار الغذاء وبسبب وجود عامل في الشركة من كل بيت في المحلة،
لم يقتصر توقع الإضراب على العمال فقط بل توقع سكان المحلة ايضا مواجهات. بدأت المواجهات بسبب إهانة ضابط لسيدة مسنة. كانت أهمية 6 أبريل هي انتقال التظاهرات من المصنع الي نطاق المجتمع خارج حدود المصنع. كسر العمال في عام 2006 قواعد المنهج الاجتماعي من خلال التظاهر في الأماكن العامة. وفي عام 2008 توسعت مساحة المقاومة الممكنة خارج النطاق الذي حددته الطبقة الحاكمة. استخدمت الحكومة كل ما لديها من دهاء وقوة لمنع حراك 6 أبريل 2008 من  التحول إلى ما شاهدناه في 25 يناير 2011. نجحت الحكومة في الإحالة دون انتشار الاحتجاجات من مدينة صناعية واحدة لباقي المدن أو للمنطقة بأكملها بالأمر بتدخل قوات الأمن من ستة محافظات مختلفةلم تكن الظروف في أبريل 2008 مناسبة لما حدث بعد أقل من ثلاث سنوات. وفي 28 يناير 2011 انطلقوا المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد وانتصروا على  قوات الأمن في بضعة ساعات. وفيما يخص هذه النقطة يجب التأكيد مرة أخرى على أن 2011 ليست 1968. لم تكن 1968 لتتم دون موجات اضرابات العمال واحتلال المصانع بالتوازي مع الاحتجاجات الطلابية. وفي حالة ثورة 25 يناير، حتى باشتراك جميع الطبقات ومنها الطبقة المتوسطة والعاطلة والعمال والفلاحين، فلقد كان العامل الأساسي في الثورة هو دور العمال المؤقتون وليس الطبقة العاملة. قد تبدو هذه التفصيلة عابرة ولكنها هي صلب الفرق بين 2011 و1968.

من عام 2006 حتى 25 يناير 2011 والى هذا الحين، لم يتوقف العمال في المؤسسات المنظمة عن التظاهر من أجل زيادة 
لأجور وضد الخصخصة و الفساد والظلم. جدير بالتوضيح ان موجة الاحتجاجات التي بدأت في 25 يناير ضمت عدد كبير من العمال المؤقتين وخاصتا من العشوائيات. منذ 2006 تظاهر العمال ضد آثار عملية النيو ليبرالية المكثفة التي خضعت لها  حكومة مبارك الأخيرة. أتى رد فعل العمال مباشرتا - وإن قلما ما تم التعبير عنها بهذه الكلمات- على تطبيق النموذج الاقتصادي النيو ليبرالي الغربي وهذا يعني تسهيل دخول مستثمرين أجانب إلى الصناعة المصرية وخصخصة مصانع وشركات القطاع العام، و تخفيض الدعم مع تشجيع الإنتاج بهدف التصديروبمساندة المؤسسات المالية الدولية، سمح هذا النظام للمستثمرين الأجانب باستغلال مصادر مصر الطبيعية بقيود أقل، واستغلال الطبقة العاملة بحُرية أكبر. تضمنت هذه العملية تخفيض العمالة التقليدية، مما ادى الى اضطرار الطمح في ما يطلق عليه القطاع الغير رسمي، وهذا يعني العمل بدون عقود أو ضمانات أو حماية اجتماعية لتصبح الحالة المتزعزعة الظرف الذي تعمل تحته الطبقة العاملة التقليدية. هؤلاء المقموعين، المستغلين والقانطين في ظل نظام مبارك كانوا هم الطبقة الدنيا دون امتلاك فرصة في التعليم و دون وظائف ثابتة ولذلك كانوا عرضة إلى واقع كون ضباط الشرطة والعاملين بها فوق القانون. يضطر العمال المؤقتين إلى العمل بمهنتين أو ثلاث لكي يتمكنوا من تغطية المصاريف الأساسية. مقارنة بهم، العاملين التقليديين يعيشون في ظروف أكثر أماناً. بالرغم من الأجر الزهيد وساعات العمل الطويلة في القطاع الخاص وظروف العمل السيئة مع أقل المنافع، تمتلك الطبقة العاملة التقليدية عقود ودخول ثابتة مما يعطيهم ميزة الوجود في محيط الطبقة العاملة مع بعض الضمانات. بالتالي تبدأ الطبقة العاملة في تقليد  عيشة الطبقة المتوسطة الحذرة لكي لا يعرضون عملهم للخطر. وفي حين أن الطبقة العاملة ستستمر في النضال من أجل ظروف عمل أفضل عن طريق الاحتجاج ضد الفساد والاستغلال في مكان العمل، سيبقى نضالهم محدود لأنهم غير مستعدين - وهذا مفهوم- أن يقوموا بمد نضالهم الى خارج حدود مكان العمل. فالإشتراك في اشتباكات الثورة في الشارع تعني نزولهم إلى الشارع والمخاطرة بإعطاء رؤسائهم سبب لفصلهم لكونهم من "مثيري شغب"، فصفوف العاطلين المستعدين لشغل وظيفتهم إذا تم فصلهم هي التي حالت دون مشاركاتهم في الثورة والعمال الثابتون لا يريدون المجازفة برفاهية العمل  .
ساعد تطبيق النماذج الاقتصادية الجديدة منذ 1968 على تركيز رأس المال في ايدي الاغنياء، مما يخفض مكاسب معيشة لأخرين. حددت هذه السياسات ظروف حياة الطبقة المحرومة... في حين أصبحت العمالة المؤقتة المارقة هي العامل الأساسي في النضال الثوري بعد أن أثبتوا بأنفسهم أنهم قوة يعتمد عليها. أستفز تجذر الفجوة الاقتصادية العميقة في هذه المرحلة النيو ليبرالية أشكال جديدة من المقاومة؛ وهذه الحالة هي التي دفعت بالمصريين إلى شفا الثورة، وهذه هي الحالة التي ستظل تحدد خطوط الاحتجاج المستقبلية.

- - -



في يوم 19 يونية 2012، تجمع مؤيدي مبارك أمام المستشقفى العسكري على ضفاف النيل بعد انتشار أنباء عن موت الديكتاتور. حمل احد المتظاهرين لافتة مكتوب عليها: "ثورة 25 يناير: سوف يحكم التاريخ."

عليك أن تقرر كيف ستدخل ثورة 25 يناير التاريخ. هل هي 1968 أخرى؟ ثورة بصورة محببة؟ أم هي حركة أكبر من المعني الذي أعطيته لها عن طريق بعض الصور التي رأيتها وقد تواجها في يوم من الأيام أمام دارك؟

نبذة:
فيليب رزق، صانع أفلام وكاتب يعيش في القاهرة. فيليب رزق عضو في مجموعة مُصِرِّين. (mosireen.org).

Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen