Donnerstag, 17. Oktober 2013

سوزان سلاڤيك: فصل الربيع في الإسكندرية



فصل الربيع في الإسكندرية

سوزان سلاڤيك


يعلم المصريون أكثر مما يمكنني معرفته عن الثورة. بعد إلغاء و تأجيل و إعادة تأكيد حجز الرحلات, وصلت في فبراير 2011 و ليس عندي أي فكرة ماذا ينتظرني. مصر في العقل الأمريكي هي أرض صحراوية شاسعة يميزها الأهرامات و الجِمال تمشي فيها بجانب بعض الواحات الغنية. كل هذه الصور التقليدية تلاشت بمجرد دخولي أنا و رفاء السفر لسيارة مينيفان تتحرك نحو الأسكندرية التي لم اعرفها إلا من كتاب لورانس دوريل "رباعية الأسكندرية" و الذي قرأته من وقت طويل. لم نكن نعلم واقع المدينة البعيد عن الكتابات. لم نكن نعلم عن وفاة محمد خالد سعيدعلى يد رجال الشرطة في عام 2010. لم نكن نعلم الكثير.
و بدأنا رحلة المزارات بسعادة قبل البدأ في مشروع التبادل بمركز الفن بالفيوم بين فنانين من الولايات المتحدة و من مصر. و في الطريق وجدنا أكوام من الطين و الأنقاض و الأسمنت متراصّة على جانبي الطريق  بين الرمال. و جزوع النخل الخاوية تثف في تراص لا معنى له إلا لذكرى وجود حدائق الفواكهة و الورود. حوائط عالية من الصخور و الحجارة و المعادن تواجه الطريق، و بعض البوابات الفارهة التي تبدو أثمن من أغلب البيوت التي تحرسها. و الحقول خلفها تمتد إلى مرمى البصر و يبدو في آخرها منزل يقع في نهايتها. بعض الكباري الضخمة و مخارج الطرق السريعة مغلفة بالأخشاب تنتظر لحظة اكتمالها و توصيلها. المدن الجديدة  تبدو  أنها قفزت من داخل الرمال بأسماء كالخضار الأبدي (Evergreen) و أرض الأحلام (Dream Land) و تجمعات سكنية تكاد تكون منتهية الإنشاء إلا أنها تبدو غير مأهولة. كنا نفكر من يستطيع أن يعيش في هذه المناطق عندما رأينا منتجع الليالي العربية Arabian Nights Resort؛ أين يمكن للمياه أن تأتي في هذه المنطقة؟ من لديه هذا الكم من المال؟ في كل مكان نجد شئ يتم بناؤه و لكن كل ما يتم إزاحته يجئ مكانه أكوام جديدة على مد البصر. كل شئ يبدو و كأنه في مرحلة التكوين.
بعد وصولنا قبل ميعاد حظر التجوال بقليل كانت أعيننا تشتاق لرؤية علامات الثورة. و كانت العلامات في كل مكان. أصحاب المحلات يضعون على النوافذ صور تسخر من مبارك و زوجته بينما يقوم المارة بسعادة بتصويرهم بكاميرات الهواتف المحمولة و هم يجدوا صعوبة في تصديق تلك السخرية الصريحة. وقفت الدبابات على مفترق الطرق فقمنا برفع كالدر (طفل أشقر كان من المرافقين لنا في الرحلة) ليحتضن الذراع المرحبة لأحد الجنود. و كان يعلو الدبابة يافطة كُتب عليها "صدّق" Believe و رجل مبتسم يرتدي سترة ماركة هيلفيجر HILFIGER. و كان الكل سعيدا بالتعاون معنا و لم يعترضوا على استعمالنا للكاميرات طالما لم نصور رقم الدبابة. لم يكن يظهر على أحد علامات الحذر.
في النهار رأينا أطفال ترسم أرصفة الشوارع بالأسود و الأبيض ليظهروا اعتزازهم بمصر التي ولدت من جديد. قام المدنيون بتوجيه المرور بالنيابة عن الشرطة الغائبة أو المختفية و الذين راحت شعبيتهم بسبب التاريخ الملئ بالمبالغة و الإساءة. العديد من البوسترات المعلقة على حوائط المترو و تتدلى من أعلى أعمدة الإنارة. "بناة المستقبل" كتبت على صور مكبرة لناس يرتدون أو يرسمون العلم الوطني. و إعلانات لأمواس حلاقة "لورد" كُتب عليها "يا إلهي اجعل هذه البلد آمنة" . و في خضم السعادة و الانبهار فرحة بيوم جديد وجدنا لوحة كُتب عليها "الشباب: ثورة التغيير" قد وُضع على مدخل مكتبة الإسكندرية اللامعة و قد ظهر أمامها  أثر للشهداء الشباب لـ 25 يناير 2011.
ستة حراس تجمعوا عند بوابة المتحف القومي للأسكندرية و قالوا لنا أن المتحف مغلق لأسباب أمنية. كان المسرح الروماني مفتوح على الرغم من وجود دبابات و أدرعة مضادة للانفجارات تم تثبيتها على المدخل. وكانت هذه الحماية يبدو أنها كانت بطلب من العاملين بالمتحف خوفا من عمليات السرقات المنتشرة.
و في الناحية الأخرى من الشارع نرى رسومات جدارية (جرافيتي) حديثة باللغتين العربية و الإنجليزية "نحب مصر" و "حرية" و "25 يناير 2011". إلا أنه كان من الصعب ملاحظة روح الاحتفالات في هذا التأمين المشدد الملحوظ.
على الرغم من أن الوصول إلى الأماكن الثقافية و الكنوز كان محدودا إلا أن المواقع الغير مذكورة في كتب السياحة كانت تقول عكس ذلك. لقد مررنا بجانب بلدوزرات سفلتة الطرق و عمال الهدم يقومون بإزالة المبنى القديم  الأساسي لمحافظة  الإسكندرية و الذي تم بناءه في 1890. و كان يحتوي المبنى على مكان إقامة مكتب المحافظ بالإضافة إلى لوحات قيمة لرسامين مصريين منهم أدهم وانلي و سيف وانلي و محمود سعيد و محمد ناجي و حسين بيكار؛ هذا إلى جانب المكتبة التي تحتوي على كتب نادرة و خرائط و خطابات و مستندات تخص تاريخ المدينة. مرافقنا المصري مهندس الكومبيوتر الماهر  أحمد شاكر أعلمنا أن المبنا كان يحتوي على غرفة تحكم في الطرق الرئيسية بالمدينة و بالتالي فإن المبنى في الغالب يحتوي على تسجيلات للشرطة و هي تقوم بأعمال البلطجة ضد المتظاهرين السلميين في تلك الطرق في الأيام الأولى للثورة.
في يوم 28 يناير 2011 تم إحراق المبنى بزجاجات الملوتوف المتنوعة ثم تمت سرقته. و قد أشارت الصحف أن المبنى قد تُرك ليحترق و ينهب على مدار أيام. إلا أن العديد قد تساءل عن السبب في هذا لما يحمله هذا المنبى من قيمه في ذاته و محتوياته. و قام أحمد بتلخيص الأمر أن السلطات لم تتدخل لعدة أسباب منها: أن يترك أسباب تجعل الناس تنفر من فكرة الثورة و ما يوجد فيها من رعاع و بلطجية و السبب الثاني هو أن ترك الحريق سيجعل النار تلتهم التسجيلات المحلية لفساد و إساءة السلطات المحلية.
أحد الفنانين و المدير السابق لمتحف الفنون الجميلة بالإسكندرية عصمت داوستاشي و هو الآن يرأس مركز الإبداع بالإسكندرية اقترح نظرية أخرى في صحيفة الأهرام: عدم الاستجابة للحريق و السرقات هو تغطية لأكبر عملية سرقة منظمة للفنون في تاريخ الأسكندرية (في يونيو 2011 عرض عصمت داويستشاوي لوحة في الزمالك عن شفاء ابنه عبد الله و الذي أصيب بطلقة في صدره يوم 28 يناير أمام مبنى أمن الدولة بالأسكندرية. قام متظاهرين باقتحام المبنى يوم 4 مارس بعد الاشتباك مع قوات الأمن)
سكون الأمن الواضح تجاه الحدث أصبح زاد في الأمر الريبة خاصة أن المتحف الإغريقي الروماني و الذي يحتوي على 27 صالة عرض للكنوز القديمة لم يتم المساس به. و العديد من التكهنات أصبحت جزءا من القصص التي يرويها العديد عن ما حدث في أثناء و بعد الثورة.
جبال من الأنقاض كانت ما تبقى من المبنى عندما ذهبنا لزيارته. بما أني أستوحي أعمالي كفنانة و كاتبة "من بين الأنقاض" (شارتا- 2011) و الذي يحكي عن ما بعد الحرب من خلال الفن الحديث بدأت في التصوير. وسط الحديد المعضض و كتل الأسمنت و الأحجار المتكسرة كان هناك شكل بيضاوي متهدن كالبيض المكسورة مغطى بالفسيفساء في شكل ورود. بعض العمال وقفوا ليتم تصويرهم. أحدهم أعطى ثمرة بلح لماكس الأخ التوأم لكالدر الذي التهمها بسعادة. إلا أن الضيافة غطت عليها الريبة حيث ظن البعض أننا جواسيس. و على الرغم من تطمينات أحمد لهم إلا أنهم كانوا من الصعب أن يفهموا أني أو أي شخص آخر قد يهتم بتصوير الأنقاض. فلما زاد حنق العمال انصرفنا.

كانت الصور التي التقطها هي أساس سلسلة  "فصل الربيع في الأسكندرية". في بداية أعمالي كنت أبدأ بالتعديل على الرؤية قبل التقاط الصور. قمت بعمل مناظر تبدو و كأنها مرسومة يدويا لمشاهد من الخضرة و المباني و الأزهار و أضفتها للمشاهد الخاصة بالحطام. أردت أن أرى لمسة البشر تدخل و تغير التسجيل الفوتوغرافي. يمكن للصور أن توثق و لكن الفن يحوّل. مزج كل من الرسم مع التصوير الفوتوغرافي هو أحد الأشكال التي يعيش فيها الواقع و الخيال.فالتداخلات المرسومة يمكن أن تُظهر كل ما تبقى و كل ما تك فقدانه و حتى توقيف احتمالية إعادة الحياة أو العافية. في هذه السلسلة اخترت طائر أبو منجل و هو طائر  يظهر في الأعمال الفنية الفرعونية و يمثل أجناس الطبيعة اليوم
طالما كان طائر أبو منجل يتم تحنيطه و توقيره فكان رأسه رمز تحوت و الذي كان يعبر عن الأمر الألهي و "قلب و لسان" إله الشمس رع و الذي تكلم بكلمات كانت السبب في تكوين السموات و الأرض. في مصر القديمةكان "القلب" مكان الذكاء و العقل. وقوفا على الأمر التكويني أصبح تحوت مرتبطا بالحكم الألهي في المظالم و فنون السحر و أنظمة الكتابة و تطوير العلم و الحكم على الأموات. تاريخيا و أسطوريا كان رمز تحوت هو طائر أبو منجل فدافع بشراسة الثعبان المجنح و بالتالي فهو الحامي. الآن الأعداد الكبيرة من هذا الطائر بدأت تتلاشى. كانت لتتغذى هذه الطيور في الحقول و المستنقاعات.
في سلسلة  "فصل الربيع في الإسكندرية" كان طائر المنجل و أكوام الأنقاض كانا يملآن الأرض. و بالعودة إلى قوة الطائر الأسطورية فوجود الطائر قد يكون  يضفي المنطق و الذكاء اللازمين لبناء هذه الأمة الجديدة  ويصبح الطائر هو الحامي ضد الانزلاق لدكتاتور بديل أو أي اعتداء أخر. و كذلك قد يضفي علامات للحيوية و الأمل.
العديد من الإشارات و الصور قد ارتبطت بالثورة و ربما حكمت عليها فكانت من خلال البروباجاندا أو الإعلام أو الردود الساخرة ثم إلى الصدمة الحقيقية. فالدوائر الجديدة هي إشارات لكيفية جعل المعاني تتحول حتى في أحلامنا. تلك الجِمال الساكنة التي تطوف في الأفق الرملي في خيال الغرب لم تكن بعيدة عن هذا التحول : فقد استبدلت هذه بصور 2 فبراير 2011 و التي وصل إلينا فيها بالتلفزيون و بموقع يوتيوب بلطجية مبارك و هم يركبون الجمال متجهين لميدان التحرير لينالوا من المتظاهرين.
و بعد ذلك بأربع أسابيع دخلنا إلى ميدان أكثر احتفالية ملئ بالعائلات و أوجه مرسومة بخطوط الأحمر و الأبيض و الأسود و آباء تحمل أبناءهم على الأكتاف و محركين عرائس و محركين أهلام و بائعين للحلوى و التذكاريات من كل الأنواع. و في المنتصف وقفت إشارة المرور يتدلى منها سرج و تحتها بافطة كتب عليها "إمضاء جمال" و التي تعني الحمار الصغير.و هي نسخة من الشارع لقصة جولياث (الولد الصغير) و العملاق.
الهدف من "فصل الربيع في الإسكندرية" هو استدعاء فترة الأمل في جو ملئ بالحقائق المريرة. ما هو الاستقرار الذي قد يبعثه طائر أو أي كائن حي سواء عادي أو مقدس من التأخر الاقتصادي و أنقاض نظام أبعد ما يكون عن الكونية و العدالة سواء كانت معوجة أو منكرة؟ الوعد الذي قدمته الثورة هو فكرة للأمد البعيد. مبنية على المنطق و الذكاء الخاص بتحوت لذلك يجب أن ينبع من أرض الواقع. و يجب أن يحيا كطائر أبو منجل و لا يتم نسيانه فيهرب.


Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen