Donnerstag, 17. Oktober 2013

نيكولاي بيرجر ومنى خالد دياب: عيون مسنة وكلمات شابة


عيون مسنة وكلمات شابة

نيكولاي بيرجر ومنى خالد دياب


بعد الإنتخابات الأولى، كان هناك تعبير ساد جميع المناقشات، والتقارير الإعلامية: "المواطنون الخطأ". ويقصد هذا التعبير أغلبية المواطنين ممن صوتوا لحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الأخوان المسلمين. إن المواطنون الخطأ هم من سببوا كل هذه المتاعب، وسمحوا لحزب الحرية والعدالة بالانتصار في الإنتخابات. المواطنون الخطأ لم يكونوا على قدر مقبول من التعليم، أو قدر مقبول من الحكمة حتى يلتفت إلى أصواتهم، من وجهة نظر من يظنون في أنفسهم التعليم والحكمة.
وبعد هذا التعبير قد يكون من الهام أن تأتي ملاحظة أن عملية صنع القرار الفردي للإنسان تقترح أن قراراتنا بشكل أساسي لا تنشأ عن عقلنا المعرفي، وأنما تنشأ عن محركنا الداخليالعواطف. (كانيمان ٢٠١١، ت. شيكيلي، آلن چ. مور، چ.كومدير ٢٠١٠، تشامبيرز ٢٠١٢، بروكس ٢٠١٢)، يشير المؤلفون إلى أن العقل الإنساني يبحث عن توليد أسباب منطقية للقرارات التي قد اتخذت بالفعل في حيز الواقع من جانب العواطف. وفي كثير من الأحيان فإن الإنسان يسقط رغبة ما، أو أمنية، أو خوف، أو إعجاب بمؤشر خارجي شيئاً كان أو إنسان. ويعطي ذلك الإسقاط معلومة القرار، الذي يروق لنا، أو يصدّنا. في النهاية، فإن ما نختاره يبنى على الأفكار المسبقةأو على الطريقة التي تنعكس بها العوامل الخارجية على مثلنا الداخلية. إن اختلافنا عن الأنواع الأخرى هو في قدرتنا على التواصل من خلال اللغة. إن المجتمع كنظام معرّف، ومبني على اللغة (لومان ١٩٨٧، جوفمان ١٩٨٩)، فنحن نعرّف ونصف عالمنا من خلال اللغة، نخلق قصصنا، ونشارك آخرين فيها. وتعد الصور أدوات قوية لحكي القصص، ذلك أنها تتضمن طبقات متعددة  من المعاني في نفس الوقت، المعاني التي يصعب توصيلها من خلال الكلمات وحدها. وعبر تاريخ تطور الإنسان، اعتمدنا على بصرنا قبل الاعتماد على بناء اللغة الأقصر عمراً من الصورة. لذا فإنه من الممكن استنتاج أن: الصور تؤثر في عواطفنا على نحو أقوى من النص، والاعتماد على الاتصال البصري له تأثير مسئول عن تصرفاتنا بشكل مباشر.
تعالوا نفكر في ذلك بالنظر إلى الإنتخابات المصرية: إن نصف عدد السكان تقريباً  لا يتمكنون من قراءة النصوص المكتوبة. ولتشكيل الصوت الإنتخابي لتلك الشريحة الكبيرة من المواطنين يحاول المرشحون اللجوء إلى الرموز المقروءة بصرياً، في اتصال بصري رمزي يستخدم أدوات من حياتهم اليومية. حيث تظهر تلك الأدوات إلى جانب صور المرشحين الشخصية على الملصقات الإنتخابية، وإلى جانب أسمائهم المكتوبة في الاستمارة الإنتخابية. ومن الوهلة الأولى يبدو ذلك الحل حلاً سلساً لا ينطوي على مشاكل تذكر، ويسهل العملية الديمقراطية. إلا أنه بالإختبار عن قرب تطفو بعض المشاكل على السطح: فالأدوات ليست حيادية، بل والصور أيضاً أقل من الرموز حيادية. فكل رمز يثير قصة لمعناه، تتنوع بين الثقافات، وبين الأشخاص اعتماداً على الخبرة الذاتية، وعلى المعرفة والإطار المرجعي (كانيمان ٢٠٠٧، جوفمان ٢٠٠١). فعندما تعرض علينا أحد الصور، فإن جزء العقل الباطن في شخصيتنا (ما يسميه كانيمان بـ"النظام ١") يثير عواطف وصور ذهنية متصلة بتلك الصورة. وعلى خلفية الحملات الإنتخابية فإن ذلك "النص الباطني"المصاحب لرمز المرشح يمكن أن ينتقل جيداً إلى إنطباعنا عن المرشح. ويربط عقلنا بين الأحاسيس التي تنقلها إلينا صورة المرشح، مع صورة المرشح.
لقد خصصت اللجنة العليا للإنتخابات المنوط بها عملية تنظيم العملية الإنتخابية عامي ٢٠١١ و٢٠١٢ رموز بصرية للمرشحين. ومنذ عام ١٩٥٦، بعد إصدار قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم ٧٣، يعطى كل مرشح من المرشحين في الإنتخابات رمزاً، يمكن للناخبين الأميين التعرف عليه من خلاله. وكانت وزارة الداخلية هي المسئولة عن إختيار وتوزيع تلك الرموز قبل أن تنتقل تلك السلطة إلى اللجنة العليا للإنتخابات، التي يعلن عن أعضائها كل عام على حدة وفقاً للمادة الثالثة من القانون رقم ٧٣ لعام ١٩٥٦ بشأن مباشرة الحقوق السياسية، على أن تشكل تلك اللجنة برئاسة رئيس محكمة الإستئناف، وتتضمن أقدم نائبين من نواب رئيس محكمة النقض، وأقدم نائبين لرئيس مجلس الدولة، وأقدم رئيسين بمحاكم الإستئناف تاليين لمحكمة استئناف القاهرة.
تختص اللجنة أيضاً بتسليم جميع الأوراق الإدارية الخاصة بالعملية الإنتخابية. وتقرر اللجنة حدود الرموز الإنتخابية، وطريقة توزيعها على المرشحين. كان عدد الرموز الإنتخابية في الماضي لا يتجاوز الـ٣١ رمزاً، لكن عدد المرشحين بدأ في الزيادة ليصل إلى ١٠٠ في عام ٢٠١٠، وإلى ٣١٠ بعد الثورة.
كان المرشحين في الماضي يتسابقون للفوز بالرموز الأقوى، ويسعون إلي "حجز" بعض الرموز مقدماً. واستحوذ الحزب الوطني الديمقراطي الرموز الإنتخابية التي حفرت دلالاتها العميقة في قلوب الناس، مثل الهلال "الإسلامي"، والجمللهذا السبب منعت اللجنة العليا للإنتخابات هذين الرمزين من قائمة الرموز الإنتخابية في انتخابات ٢٠١١-٢٠١٢، كذلك فقد قررت اللجنة أن تزيل جميع الرموز الدينية، وبعض الرموز التي يمكن أن تؤثر تأثيراً سلبياً على صورة المرشح، كالحقنة على سبيل المثال. ومع ذلك فلم تتمكن اللجنة من استثناء بعض الرموز التي يمكن أن تحمل دلالات متناقضة مثل السكين أو الموز.
وبعد الإتفاق على استخدام ٣١٠ رمزاً، ووضعهم في قائمة، وزعت اللجنة الرموز على مرشحي الأحزاب، وفقاً للسنة التي أنشأ فيها الحزب، كما جرى توزيع الرموز على المستقلين بأولوية تقديم أوراق الترشيح. وبهذه الطريقة هدفت اللجنة  ألا تكون جزءاً من عملية الإختيار، وأن تتجنب أي خلافات يمكن أن تنشب بهذا الشأن بين الأحزاب أو المرشحين.
إلا أن تلك الطريقة ساهمت بشكل ما في تعقيد الأمور، فبعض الرموز المتشابهة التي وزعت في دوائر إنتخابية مختلفة بصرف النظر عن دلالاتها السياسية، أدت لأن يكون لأحد المرشحين في أحد الدوائر الإنتخابية رمز، يستخدمه مرشح له برنامج سياسي مضاد في دائرة إنتخابية أخرى. كذلك فإن طبيعة الأدوات التي اختيرت، لا تربطها علاقة كبيرة بالخلفية المصرية: فالمظلة هي أداة تستخدم بشكل أكبر في نصف الكرة الشمالي من الكرة الأرضية، فما عسى رمز كهذا أن يعني في دولة تندر فيها الأمطار؟ كناخب موضوع بين اختيار رمزين أحدهما مظلة، وآخر يحمل رمز فاكهة المانجو على سبيل المثال، فإنني سأتوجه لاختيار الشئ الذي أعرفه، وأعرف وظيفته. كذلك فالسؤال يطرح نفسه: أي إنطباع يمكن أن تتركه رموز مثل الثوب، الصاروخ، الدبابة وما الذي يمكن أن تترجم إليه تلك الرموز على الخلفية المحلية أو الإقليمية؟ لقد كان من نصيب  الممثلة السابقة، والمرشحة هند عاكف رمز الصاروخ، و"الصاروخ" في الاستخدام الدارج تعبير عن المرأة الجذابة جنسياً، مما جاء للمرشحة ببعض المشاكل. كذلك كان من نصيب أحد المرشحين السلفيين أسطوانة مدمجة، وهو أمر أثار بعض الإلتباس مع حزبه الذي يحرم الإستمتاع بالموسيقى، بعض المرشحين حاولوا تطويق رموزهم من خلال تكاملها بفعالية مع حملتهم، بصرف النظر عن المدلولات التي قد تكون سلبية. كان على المرشح بلال نحال من البحيرة التعامل مع رمز الموزة. والموز في الإستخدام المصري الدارج تثير بعض التشابه مع كلمة "مزة" الدارجة وتعني المرأة الجذابة، وهو أمر لا يتمشى مع الطبيعة الجادة لمرشح برلماني. وعلى الرغم من ذلك فقد اختار المرشح أن يوزع موزاً حقيقياً على ناخبيه، كجزء من حملته الإنتخابية. كذلك فقد تعامل المرشح أيمن مبارك مع رمز الدب على نحو ساخر بأن جعل شعاره كوميدياً: "لو مش عاجبك أسلوبي رجع لي دبدوبي".
إن التاريخ المزمع للإنتخابات القادمة هو مارس ٢٠١٣، وقد أوكلت إلى بعض الأساتذة في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان مهمة تنقيح الرموز. وتشير تلك المبادرة إلى أن اللجنة العليا للإنتخابات قد استوعبت الدور الكبير للرمز، وقوة الصورة في العملية الإنتخابية.

Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen