Donnerstag, 17. Oktober 2013

الفصل الثاني: سياسات التمثيل


مدخل

سياسات التمثيل

بحلول خريف العام ٢٠١١، كان كل ركن في الحيز العمومي بالقاهرة مهما كان قصياً قد طالته شتى الانتخابات التي أتت في أعقاب الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني بلمستها البصرية الفانيةفعلى مدار ما شهده عامي ٢٠١١ ٢٠١٢ من استفتاء فانتخابات برلمانية فأخرى رئاسية تدافعت الصور الشخصية والرموز والشعارات بمناكبها بغية جذب انتباه المواطن، تطالعه من خضم الملصقات واللافتات والمطبوعات الضخمة التي اكتست بها المدينة وجهاً جديداً لها.

في الميادين وعلى ضفتي أي شارع ضاق، وحيثما تجاورت بنايتان بما يكفي لكسوتها، تكالبت الحملات الإنتخابية على شكل تكتلات ثلاثية الأبعاد تخلق هياكلاً مؤقتة على امتداد الحيز العمراني للقاهرة، فزادت بنيتها (الداخلية) آلاف الأمتار المربعة.  

ولقد وجدت "ما وراء صورة التحرير" سبيلها إلى ملصقات الحملات الانتخابيةفقد أتت صورة ميدان التحرير من علٍ في خلفية ما لا يحصى من الملصقات، كما قام المرشحون بتحوير صلتهم بالثورة إلى شعارات انتخابية شأن عزة كمال عابد التي افتخرت بأنها "ولدت من رحم التحرير".  

إن النواحي البصرية لهذا الزخم من المعلومات التي أحاطت بالقاهرة الكبرى كانت تتنوع ما بين الجودة التجارية البراقة والصور الضبابية المتبكسلة الملتقطة على عجالةأما تلك المجموعة المحيرة من الرموز الانتخابية والتي تتولى اللجنة العليا للانتخابات توزيعها تسهيلاً على الناخبين الأميين، فتتنوع ما بين صور توضيحية نظيفة تمثل أغراضاً منزلية، وبين صور فوتوغرافية تفصيلية، ورسوم يدوية لأي غرض من المسدس وحتى ثمرة المانجولقد قدمت الرموز الانتخابية عرساً لمن يبتغي تداعيات المعاني، والتي تكاثرت بفعل تنوع التقنيات المستخدمة في تمثيلها بصرياًفبين شتى الملصقات، يمكن للمرء اقتفاء الرمز ذاته وقد تحول من التصوير الفوتوغرافي إلى الرسم التوضيحي إلى الخط اليدوي.  

لقد تمتع ٥٠ مليون ناخباً شاركوا في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها مصر بحرية الاختيار ما بين ٨٠٠ مرشحاً يمثلون أكثر من ٥٠ حزباً سياسياً أغلبها حديث التشكيل، وذلك في سباق انتخابي على مقاعد مجلسي البرلمان امتد من نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١١ وحتى فبراير/ شباط ٢٠١٢

لقد ترك العهد الناصري في مصر سياسات اشتراكية، فعلى سبيل المثال ينص الدستور المصري على ألا يقل عدد "العمال والفلاحين" عن نصف عدد المرشحين، في الوقت الذي يلزم فيه إعلان آخر صدر في عهد مبارك جميع الأحزاب بألا تخلو قوائم  ترشيحهم من تمثيل نسويوقد أدى هذا الإعلان لأن تتخذ بعض الأحزاب الإسلامية كحزب النور السلفي إجراءات مرهقة لحجب مرشحاتهم عن أعين الناخبينفاستعاضوا عن صور المرشحات بصورة زهرة مرسومة أو برمز الحزب أو بصور أزواجهن، بحسب ما جاء في مقال فريد ماير-منتسل المدرج في هذا الفصل.  

إن توظيف الرموز الانتخابية - أي رصد صورة/جماد بغرض التعرف على المرشحهو شأن في صميم العملية الانتخابية في مصرإن هذا النظام المعمول به منذ القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة قد وصل إلى مصر في حقبة الخمسينيات من القرن المنصرم خدمة لنسبة الناخبين الأميين المرتفعة (والتي تقدّر بحوالي ٢٥٥٠ ٪).

تنتشر هذه المنهجية في شتى أرجاء أفريقيا آسيا، حيث يظهر رمزاً تصويرياً إلى جوار اسم كل مرشح على بطاقة التصويتفي حالة عبد الناصر كان الرمز هو النسر، أما مبارك فاتخذ رمز الهلال الإسلامي، وكلاهما رمزان قويان يشيران إلى مشروع العروبة والهوية الإسلامية على الترتيب.  

في العام ٢٠١١، واجهت اللجنة العليا للانتخابات مهمة عصيبة وهي تعيين رموزاً انتخابية ونسبها إلى رقم قياسي من المرشحينلقد تم حصر حوالي ٣٠٠ صورة أعيد تدويرها ما بين الدوائر الانتخابيةلقد حظرت إبانها الرموز الدينية الواضحة، وإن كان ذلك هو التحريم الوحيد إذ غطت طبيعة تشكيلة الرموز طيفاً عريضاً، من الفواكه والخضروات إلى المعدات الحربية.  

وبتأمل المنطق وراء هذه التشكيلة من الصور قد يتساءل المرء ما إن لعبت محركات البحث المعيارية على الإنترنت دوراً في هذه العملية، إذ بدت تلك الصور بصفة عامة غير ذات صلة بالسياق الإقليمي، فاشتملت على أغراض كالفيولينة وصواريخ الفضاء ومدافع العصور الوسطى وإشارات المرور والمظلات، وكلها أغراض لا وظيفة لها في مصر.  

لقد وضعت هذه الرموز في تسلسل رقمي ووزعت بحسب أولوية التسجيل الرسمي لكل حزبأول من يقوم بتسجيل ترشحه عن دائرة ما، يحصل على أول رمز في القائمة والثاني يحصل على الرمز التالي وهلم جراكان الهدف من لعبة الحظ هذه هو تعطيل أية محاولة لمحاباة أي مرشح.  

بيد أن الثبات على الالتزام بهذه السياسة لابد وأن يوضع محل شك، إذ نجح اثنين من أقوى الأحزاب المتنافسة في الحصول على رموز تعكس هويتهما بشكل مباشر: فحصل حزب الحرية والعدالة على رمز الميزان، وحصل حزب النور على رمز فانوس رمضان.  

إن الاستخدام الوظيفي للمكونات البصرية في العملية الانتخابية، إلى جانب ارتفاع أعداد الناخبين الأميين وكون الكثير من المرشحين وأحزابهم يظهرون على الساحة للمرة الأولى (بمعنى أن رسالتهم السياسية كانت مجهولة للسواد الأعظم من الشعب) قد أدت كلها إلى أن يصير التواصل البصري والتصوير حجر الزاوية في العملية الانتخابية.  

وبذا يصير الأثر الذي تتركه كل من لغة الشكل الفوتو/غرافية (Formspracheوالخطاب التحتي الترابطي للرموز الانتخابية على استقبال المرشحين والخطاب السياسي هو موضوع عدد من أقسام هذا الفصل.  

إن وضع قائمة مطولة من العناصر المشتركة التي تكشف عن وجهها في الأنماط البصرية الغنية التي طوعتها الوكالات والهواة ممن وضعوا تصميماتهم في خدمة الانتخابات لهو شأن يتخطى الغرض من هذا المدخل، وإن كان من المفيد أن نعرض لبعض من الملاحظات الأساسيةتتضمن ملصقات الحملات الانتخابية بصفة عامة كتل نصية مطولة نسبياً تعيّن في آن واحد الموقف السياسي للمرشح وبعض المعلومات العملية كعنوان البريد الإلكتروني ورقم الهاتف والعنوان البريدي إلى جانب محل العمل والانتماءات المهنيةمن الشائع بينها كذلك أن نجد كلاً من استخدام تشكيلة من الخطوط والألوان ومؤثرات التدرج اللوني والخط الخارجي، إلى جانب الاستخدام الكثيف لبرامج معالجة الصور رقمياً على صور المرشحين الشخصية، وأنجزت على الأغلب بخبرات نصف مهنيةكل ذلك إلى جانب ابتعاد عن التزام مكونات الملصق المختلفة بهيكل شبكي متماسك، الأمر الذي يسفر عن نظام هندسي غير متواز

تضمنت بوليفونية الأبجدية البصرية المستخدمة في الحملات الانتخابية عناصراً من لغة الشكل العربية التقليدية إلى جانب التصميم التجاري الغربي، الأمر الذي ربما كان انعكاساً للوضع النتقالي الذي تشهده البلاد بأسرها.  

لم يكن من الغريب أن تشهد الانتخابات البرلمانية دعماً عريضاً للجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، نظراً لما تتمتع به من تاريخ طويل من الانخراط المجتمعي في ظل نظام تعمد دوماً محاباة النخبةلقد حصل التحالف الديمقراطي والذي يسيطر عليه حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان على ٤٤٪ من الأصوات في انتخابات مجلس الشعب، في الوقت الذي حصلت فيه الكتلة الإسلامية وعلى رأسها حزب النور على ٢٥٪تكررت تلك النتائج في انتخابات مجلس الشورى حيث حصل حزب الحرية والعدالة على ٥٨٪ من المقاعد، وحصل حزب النور على ٢٥٪ منها.  

وفي غضون أقل من ستة أشهر من الانتخابات، وتحديداً في ١٤ من يونية/ حزيران ٢٠١٢، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها ببطلان الانتخابات البرلمانية بمقتضى تنافس مرشحي الأحزاب على مقاعد حفظت للمستقلين بحكم الدستوروهكذا تقرر عقد انتخابات برلمانية جديدة في مارس/ أذار ٢٠١٣، وإن لم تنعقد إلى اليوم.  

في يونية/ حزيران من العام ٢٠١٢ جاءت الانتخابات الرئاسية بمرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي أول رئيس إسلامي منتخب ديمقراطياً في مصر، وذلك بعد تنافس متقارب مع أحمد شفيق رئيس الوزراء السابق في النظام المخلوعلقد كان اقتراب شفيق من الفوز بالمنصب مفاجأة بالنسبة للكثيرين، خاصة على ضوء الانتفاضة الثورية التي سبقت الانتخاباتففي الجولة الأولى من الانتخابات، جاء المرشح "الثوري" حمدين صباحي في المركز الثالث.  

لقد تميزت العناصر البصرية للانتخابات الرئاسية بشكل جلي عن نظيرتها التي شهدها سباق الانتخابات البرلمانيةإذ تمكن عدد من المرشحين من جمع تمويل وجيه لحملاتهم مكنهم من استخدام وكالات الدعاية والإعلانربما وصل الفارق إلى أوجه في حملة شفيق، والتي قام بها مكتب الاستراتيجي التجاري البارز طارق نورلقد انتشرت إبانها مئات اللوحات الإعلانية الضخمة في مواقع مركزية من القاهرة تكسوها كلمة واحدة مشفرة: "الرئيس"، كتبت بعذوبة بالخط الأبيض على خلفية زرقاءوحينما بدأ السباق الرئاسي رسمياً في يوم ٣٠ أبريل/ نيسان ٢٠١٢، تبدلت الملصقات بصورة شفيق، وقدد تحقق وقتها فوراً ذلك الربط ما بين الشخص والمنصب الأعلى.  

في الحملات الرئاسية لم تكن الرموز الانتخابية تمنح اعتباطاً، وإنما سُمح للمرشحين اختيار رموزهم، وقد فضلوا بصفة عامة الرموز القوية كالنسر الأبي (صباحي) أو الفرس الجامح (أبو الفتوح) أو السلم التقدمي (شفيق)، في حين اضطر مرسي لأن يبقي على ميزان العدالة، الذي حصل عليه مرشح حزبه المستبعد.  

وبمجرد استبانة فوز حزب الحرية والعدالة قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإصدار عدد من الإعلانات الدستورية التي هدفت إلى تحجيم سلطة الرئيسفي نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٢ قام مرسي بدوره بإصدار إعلانه الدستوري الذي منح نفسه بموجبه سلطات موسعة تعيد الدولة الديمقراطية الوليدة إلى عهد الاستبداد، إلى أن اضطرته التظاهرات العريضة إلى الرجوع عن قراراته في ديسمبر/ كانون الأول التاليإن كثافة الاضطرابات التي أسفر عنها هذان الحدثان قد دفعت بالكثيرين إلى الذعر من ارتداد البلاد إلى حالة الفوضى، وهو مقدر ربما تجنبته البلاد بقيد شعرة ولا زال قابعاً تحت السطح طوال ما لا يحصى من اضطرابات وخسائر استتبعتها تلك القرارات.  

ولكن أيام الحملات الانتخابية قد حملت أيضاً رائحة تمكين الفرد من الحيز العمومي، والتي عبرت عن نفسها في كتابة جمعية شعبية للأحداث التالية.  

لقد استثارت الحملات الانتخابية عدداً من الاختلاسات الفنية، والتي جاءت في صورة حملات الملصقات غير الرسمية والمداخلات التي تحاكي أنماط الحملات الرسميةقام أمادو الفادني بتوزيع ملصقات "لو كنت رئيس/ لو كنت رئيسة...” في الشوارع والطرقات: والتي ترك فيها بقية الملصق خاوياً كي تملؤه تصريحات وتساؤلات واقتراحات وجهت للرئيس القادمومن ثم قام آخرون بتنقيح تلك الرسائل أو إفسادها أو تعزيزها في دورة ديناميةوهكذا صار كل من هذه الملصقات في حد ذاته عملاً فريداً بفعل تراكم النصوص وبمرور الوقت.  

قامت نيني عياش بتنظيم مسيرة للمرشح الرئاسي الوهمي بكبوزة، والذي صاغت برنامجه السياسي في سلسلة من الورشات التدريبيةلقد اشتملت أهداف ذلك المرشح اللطيف المصنوع من العجينة الورقية على الحد الأدنى للأجور وعدد أعضاء البرلمان تحت ٢٥ سنة وامتدت إلى الرعاية الصحية المجانية وتضمين التعليم الجنسي في مناهج المدارس، وبذا أشارت إلى نواقص المنظومة الراهنة الهيكلية.  

حمدي رضا وبحكم كونه مديراً لمساحة آرت اللوا المستقلة للفنون والواقعة في منطقة أرض اللوا المزدحمة والمفتقرة للبنية التحتية، قام بإطلاق حملة ملصقات تضمنت مواطنين مجهولين وتروج لقيم ديمقراطية مجردة شأن المشاركة والمساواة والانفتاح على العالم.  

لقد ظهرت وسائل اتصال الحملات الانتخابية وما تعلق بها من اختلاسات فنية في شتى الأشكال، انطلاقاً من النسخ الرخيصة المطبوعة في محلات تصوير المستندات، مروراً بالمطبوعات الاحترافية الأوفست عالية الجودة، وانتهاءً إلى لافتات الخطاطين القماشية التقليديةويمتد في هذا الفصل خيط متصل يطرح تساؤلاً حول كيفية تأثير التحولات التي سببته كل منا شتى تقنيات التمثيل والسياقات العمرانية الدينامية في قراءة الخاب السياسي على الصعيد الوظيفي وعلى الصعيد الجمالي وعلى صعيد المعنى.  

Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen