Donnerstag, 17. Oktober 2013

د. منى البرنس: تجربة الترشح اللامعقول لإمرأة في إنتخابات الرئاسة


تجربة الترشح اللامعقول لإمرأة في إنتخابات  الرئاسة

د. منى البرنس


كنت أعرف تمام المعرفة أنني في الأغلب لن أكون مرشحة في إنتخابات الرئاسة على كل الأصعدة. ففرصة الدخول الفعلي إلى السباق الرئاسي منعدمة، وحصول المرأة على السلطة هو أمر "غير مقبول" من الغالبية العظمى من المجتمع، الذي يرفض وجود المرأة في حيز العمل العام إما بسبب التقاليد، أو ما يدعيه بعض الرجال المتدينين من التفوق الذكوري على المرأة، الذكور ممن يلخصون دور المرأة في الحياة في الولادة، والترفيه عن أزواجهن. كذلك فقد كنت على علم بأن خطوة كهذه، والإعلان عن رغبتي في الترشح لرئاسة الجمهورية سوف يعرض حياتي الخاصة للإنتهاك، ويعرضني للإهانة والكثير من السخف على أسوء نحو ممكن. ومع كل هذا فقد قررت الخروج من برج الأكاديمية العالي، والضلوع في دور إيجابي في مستقبل وطني، بعد أن كنت قد انتهيت لتوي من كتاب بعنوان: "إسمي ثورة" الذي يحكي عن خبرتي في الثمانية عشر يوماً الأولى في ميدان التحرير.
وبينما كنت جزءاً من تلك الثورة، فقد كنت على استعداد لتكريس حياتي الخاصة، كتاباتي، واهتماماتي الشخصية لأربع سنوات للمشاركة في العمل العام. قررت ألا أنزلق إلى مهاترات الإهانة والنقد الموجه لي، وألا أبكي في رثاء على الوطن، الذي ظننت أنه سوف يتحسن بعد سقوط حسني مبارك. من المثير للإهتمام أن معظم الدعم والتشجيع الذي حصلت عليه كان من معارفي من الرجال على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، بينما جاء النقد والتجريح من الأصدقاء المقربين (من الرجال والنساء على حد سواء)، من الأسرة، ومن الوالدين. لازلت أذكر تعليق والدتي، وحركة شفتيها بينما ترد على اعتزامي الترشح: "هل تدهورت الرئاسة إلى هذا الحد بترشح طفلة مثلك أم ماذا؟ إننا بحاجة لمرشح مخضرم ذو خبرة عريضة". بالطبع كان معظم المرشحين لمنصب الرئاسة من كبار السن، والمخضرمين في العمل العام، لكن على الرغم من ذلك فإن أحداً لمنهم لم يكن لديه الخبرة في رئاسة  دولة. ضحكت على تعليق والدتي، وقلت لها: "إن حسني مبارك وحده هو من يمتلك خبرة ثلاثين عاماً في إدارة شئون الدولة، فإذا ما رغبت فيه يمكنك إعادته"، ثم شرعت في تدشين صفحة على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك بعنوان: "د.منى البرنس مرشحة رئاسة الجمهورية"وقمت بتحميل صورة لي في ميدان التحرير. كما دعوت كل أصدقائي من المهتمين، والداعمين لفكرة العمل سوياً وتكوين فريق عمل للمناقشة والتوصل لصيغ مبدئية. ما الذي نريده لمصر والمصريين، وما الذي نريد أن نضيفه لهذا العالم؟ لقد عبر العديد من الأصدقاء على الفيسبوك عن اهتمامهم بالمشاركة، والتقينا للمرة الأولى وجهاً لوجه، وبدأنا المناقشة. توصلنا معاً لرؤية معينة، فقمت بتحويلها إلي كلمات، وبيان على الفيسبوك، تناقلته وكالات الأنباء، والصحف وعدد من المواقع الإلكترونية المتعددة. كان بعضها محايداً، والآخر ساخراً.
ومع ذلك فإنه من المهم الإشارة إلى القضايا "الشخصية" التي طرقناها في مناقشاتنا: مظهري، ملابسي، وطريقة تعاملي. ذلك أنني من واقع صوري المنشورة على الفيسبوك أبدو كإمرأة متحررة، وهو الأمر الذي يمكن أن يستخدم ضدي. لذلك فقد اقترح البعض أن أحذف صوري، والتدوينات الصادمة التي أكتبها أحياناً. رفضت صراحةً أن أغير صفحتي الشخصية . فتلك هي شخصيتي، ولن أغير شكلي لمجرد إرضاء بعض من يهمهم المظهر.
كان جوهر أحاديثنا يدور حول الكثير من الكليشيهات الإسلامية، والخطاب الديني الذي يمكن أن يقنع الغالبية العظمى من عامة الشعب. لازلت أرفض أن أتعامل مع الناس استناداً إلى خلفياتهم الدينية. فأنا لن أرتدي قناعاً لخداع الناس، ولن أتحدث لغة القرآن الكريم، أو أقول "قال الله، وقال الرسول"، على العكس، سوف أقدم نفسي على النحو الذي أبدو عليه، إمرأة شابة، روائية، أستاذة في الجامعة، وتحرريةنعم أنا تحررية، أسعى إلى كسر الصورة النمطية للرئيس الإله، القديم، الحكيم، الجاد، الخبير بكل الأشياء. أهم شئ هو رؤيتي التي ترى عودة الخيال والعلم إلى مصر مرة أخرى، لتقود الطاقة الإبداعية التي عبر عنها ملايين المصريين ممن شاركوا في الثورة، حتى نحقق قدراً من الحضارة التي تعودنا عليها منذ القدم.
بدأت الحملة حينما  تطوّع مصمم الجرافيك الذي كان من متتبعي صفحتي على الإنترنت، لتصميم ملصق لحملتي الرئاسية. كان الملصق مكوّناً من صورة شخصية لي، بشعري القصير المجعّد، بينما أرتدي "بلوزة قصيرة الأكمام، وعلى خلفية الصورة التمثال الشهير للنحات المصري محمود مختار "نهضة مصر"، وإسمي "منى البرنس" – المرشحة الرئاسيةكان الشعار مكوناً من أربعة كلمات، اختصاراً لتصريح أدليت به من قبل: الأحلام+العلم+الفن=نهضة مصر، بالطبع لم أكن أعلم أن كلمة "النهضة" سوف تستخدم على نحو محرف بعيد عن معناها فيما بعد.
كما أصبح الملصق هو صورتي الأساسية على صفحة المعجبين بي. وظلت كذلك، صورتي الأساسية. لم أطبعها أو أعلقها في أي مكان لسببين: أولاً، لأنه لم تكن لدي أي موارد مالية، إلى جانب أن راتبي كان موقوفاً لمدة ستة أشهر من جانب الكلية التي أعمل بها، عقاباً على كوني "واحدة من روادي التحرير". ثانياً، لأن الملصقات الخاصة بالمرشحين من غير التيارات الإسلامية كانت تمزق. وإلى جانب هذا وذاك، فلم أكن مغرمة بطباعة برنامجي، وتوزيعه على الناس في ميدان التحرير، الذي امتلأ الأسفلت بملصقات من هذا النوع، مما يؤكد على أن الناس قد فاض بها الكيل بكل ذلك. لذلك اعتمدت على نشر حملتي على الإنترنت، وموقع التواصل الإجتماعي فيس بوك، وساعدني أصدقائي في عملية النشر تلك.
ومع ذلك فقد ظل التواصل المباشر مع الناس هو الجزء الأهم من هذه التجربة. لم يكن الهدف هو كرسي الرئاسة في هذه المرحلة، كما أن أغلبيتنا كانت تشك في إمكانية أن يحدث هذا تحت الإشراف العسكري، لكن المهم كان إيقاظ الوعي الثقافي (ولو حتى على مستوىً محدود) بحيث يتقبل إمكانية أن تتبوأ ذلك المنصب شابة في مقتبل العمر لديها الرؤية والرغبة والقدرة على إدارة البلاد بمساعدة فريق عمل كامل، والإستعداد للإنتخابات القادمة في ظرف أربع أو خمس سنوات، لذا فقد خضت مناقشات ودية في المواصلات العامة مع عدد من سائقي سيارات الأجرة، وسيارات الميكروباص، والركاب. كان الركاب مندهشين في بداية الأمر، ونظروا إلي في استغراب، ثم بدأوا في طرح بعض الأسئلة حول برنامجي، وهنا كانت تبدأ المناقشات. أحياناً ما كنت أقابل بعض الناس ممن يعترضون منذ البداية لكوني امرأة، ولكن مع المناقشة الموضوعية، كنت أعود إلى قضية قدرة المرأة على إدارة شئون  المنزل بالحد الأدنى من المصروفات، عندها كانت تتحول معارضة الرجال إلى موافقة. بطبيعة الحال كنت أجد دعماً أكبر من جانب النساء، وساندني كثيرون فكرتي لأنهم وجدوا أنني وجه جديد، وقد سأموا من كل قديم عاجز الوجه. ثم جاءت مشكلة الحصول على ثلاثين ألف توقيع، من خمسة عشر محافظة، وهو شرط من شروط الترشح أجده غير عملي وتعجيزي. فمن يحصل على ثلاثين ألف توقيع ليس بالضرورة المرشح الأكفأ (فقد حصل المغني الشعبي سعد الصغير  على هذا الرقم لمجرد إثبات  لا مهنية ذلك الشرط). لقد أجبت بصدق على سؤال إمكانية  حصولي على ذلك العدد من الداعمين، أو حصولي على إمكانيات مادية تساهم في حملتي الإعلانية، والسفر إلى المحافظات. والجدير بالذكر  ما حدث حينما كنت أناقش برنامجي مع بعض ركاب المواصلات العامة، وكان صبياً يبلغ الرابعة عشر من العمر قاطعني بقوله: "سيدتي، إنني أتابعك كثيراً على الفيس بوك، وأمي أحد أكبر معجبيكي، وتتابع كل ما تكتبينه وتنشرينه"، فكان ذلك التعليق مدعاة لسروري الشديد. إذن فما أكتب لا يذهب هباءً، ولا أتحدث إلى نفسي فقط، بل هناك من يسمعني. هناك من يتابعونني، ويدعمونني من خارج دائرة معارفي. إذن لازال هناك أمل أن تصل أفكاري إلى الناس، كي يناقشوها. وبصرف النظر عن حقيقة أنني كاتبة وأستاذة جامعية، وتسرب خبر ترشحي لرئاسة الجمهورية عبر العديد من وسائل الإعلام المختلفة من بينها عدد من المواقع الإلكترونية، وبعض المجلات، فقد تجاهلتني القنوات التلفزيونية تماماً لأسباب يحتمل أن تكون "طبيعية ومفهومة". وباستثناء مكالمة تليفونية مع برنامج تليفزيوني لا أتذكر إسمه، ودقيقتين على الهواء مباشرة في قناة أخرى، بينما لم تتحدث عني أي من البرامج الحوارية المعروفة بمعدلات مشاهدة عالية على القنوات الأرضية أو الفضائية، ولم يهتم أحد بدعوتي لحوار أو حتى  بنشر خبر عن ترشحي للرئاسة. كانت تلك البرامج الحوارية مقصورة  على الأسماء الشهيرة من مرشحي الرئاسة وآخرون قلائل ممن أعجز عن التوصل لكلمات تصفهم ممن قالوا عن مصر أنها تحتاج إلى رجل ذكر، قوي، قادر على إدارتها. الحقيقة هو أنني لم أفهم أبداً سياسة تلك البرامج الحوارية التي تضعنا بين اختيارين : فإما الحرس القديم ممن يقتربون من سن المعاش، باستثناء محامي العمال خالد علي، وإما أولئك مما لا أجد وصفاً لهم. فما الذي نتوقعه من الناس المحبوسين بين هذين الخيارين؟ لماذا كان كل التركيز على أسماء بعينها وتيارات بعينها؟ لماذا يتم يهمش الشباب، والنساء ممن شارك في العملية الإنتخابية؟ لماذا يتم تقزيم المنصب الرئاسي؟ لقد أخبرني العديد من البسطاء ممن تحدثت إليهم أنهم لا يحبون أياً من المرشحين الرئاسيين، وأنهم لن يذهبوا إلى التصويت بالأساس. وهذا ما حدث بالفعل، لأن من ذهب إلى صناديق الإقتراع، نصف عدد الناخبين ممن يحق لهم التصويت.
وفي حقيقة الأمر، فقبل انتهاء مهلة الشهر لتجميع التوقيعات، أو ترشيح أحد الأحزاب للمرشح الرئاسي، أعلنت تصريح انسحابي على موقع الفيس بوك، وأشرت إلى الدروس المستفادة من تلك التجربة. الآن أنظر لتلك الخطوة بوصفها خطوة تنبؤية بمستقبل العملية الديمقراطية. ففي غياب أي معايير تنظيمية للمرشحين، ونظراً  لعملية استبدال المرشحين المستمرة، التي كانت بعض الأحزاب تقوم بها بمعدل يومي، والتي لم تؤد إلى أي شئ سوى إلى إرباك المواطنين، قررت الانسحاب مما يسمى بالإنتخابات الرئاسية. ونظراً لغياب الرؤية الحقيقية والفلسفة لمستقبل مصر، وغياب أي ضمانات لعدم عودة إنتاج النظام القديم للحكومة، ومعارضته الوهمية، أعلنت أيضاً أنني مقاطعة للإنتخابات الرئاسية لعام ٢٠١٢. وذلك لا يعني أنني أقاطع العمل العام، لا، لأن المستقبل لنا، للشباب. أعتزم العمل مع جميع الأفراد والمجموعات التي تشاركني حلم النهضة المصري، وإعادة بناء الهوية المصرية. سوف نعمل بجدية، يداً بيد، لنؤثر في أي من بيدهم القرار، حتى نحقق آمالنا وأحلامنا من أجل جميع المصريين، رجالاً ونساءً. وسوف يحدث ذلك بتبني الخيال والإبداع أساساً لتلك الحياة التي ننشدها، واتخاذ العلم طريقاً لتحقيق هذا الهدف. الثورة مستمرة ضد الطغيان، والفساد، والقمع.

Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen