كروب
الحديث عن الصور
التعليق الصوتي /٢. نسخة ١١/١/٢٠١٣
چوانا دومكه ومروان عمارة
المشهد الأول: شاشة سوداء، أصوات في حالات مختلفة من الإرتباك
أ
إسمي أحمد ولكنه يمكن أيضا أن يكون عمرو - ما أتذكر هو، أنني مصور. قالوا لي أنني في المستشفى، أتعافى من أزمة قلبية.
ح
اليوم 19 من يناير 2011: اسمي حسام، ولدي زوجة وابنتين ... ومن الصعب الحفاظ على نظام أفكاري وذاكرتى ... كل شيء يتحرك دون توجيه.
م
انه 24 من يناير 2011: أرقد على سرير، واستمع إلى صوت القاهرة. الشمس تغرب... أستطيع أن أرى الظلال والضوء القادم من النافذة ...
ش
انه 28 من يناير 2011: اسمي شريف ،أنا مصور في صحيفة الأهرام ... أستطيع المشي الآن إلى النافذة. اليوم اتصلت بي زوجتي. قالت لي ميدان التحرير مليء بالمتظاهرين ... اندلعت الثورة.
المشهد الثاني: كوبرى السادس من أكتوبر، القاهرة (مع أصوات أكثر ثقة)
أ
كنت قد أمضيت 18 يوما من الثورة في المستشفى. وقال الجميع فاتني لحظة عظيمة في تاريخ بلادي. كنت سعيدا فقط، فلم يكن من الضروري أن أتواجد هناك. خلال مسيرتي كصحفى مصور كنت أحاول تجنب الأحداث السياسية. فلقد شعرت دائما ان صوري كانت تستخدم لاظهار شيء غير حقيقى.
ش
مازال الوضع غير مستقر في البلاد ، لم يمر الكثير من الوقت قبل أن أقوم بتغطية مظاهرة أمام وزارة الداخلية. استطعت أن أصعد إلى سطح، حيث كنت بعيداً عن مدى الصخور والغاز المسيل للدموع. أقمت الترايبود الخاص بى و ألتقطت عددا من اللقطات الجيدة. وقفت معتدلاً و أخذت أراقب الناس. لم أتمكن من وصف ما كان الوضع عليه، ولكنى حزمت الكاميرا وكنت أعلم أنها أخر مرة ألتقط فيها أى صورة.
المشهد الثالث: جريدة الأهرام - مدخل القاعة (جلبة وصخب في الخلفية)
ش
لقد عملت كصحافي مصور لنحو 30 عاما. وكان والدي رئيس قسم الصور فى الأهرام، أقدم وأهم صحيفة حكومية فى مصر. بدأ عمله تحت حكم أول أو بالأصح ثانى رئيس لمصر ,الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أمم وسائل الإعلام في الستينات. وكان ناصر قد أمر ببناء هذا المجمع الكبير للصحيفة. الذىجمع كافة إدارات الإنتاج تحت سقف واحد. حتى اليوم و الأهرام لديها أكثر من 16،000 عامل
ش
عرف ناصر أهمية الصور. و كان على علم بأن الرسالة الصحيحة يمكن أن تصل إلى الامة بأكملها - حتى هؤلاء الذين لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، أو الذين يعيشون بعيدا عن العاصمة. وكان لناصر وجود كبير كزعيم. و لم يكن بحاجة إلى أي تكلف أمام الكاميرا. فحتى لو التقطت له صور من الخلف فهو لازال يبدو قوياً و ذا سلطة. قبًل وعانق الحشود وحتى الاشخاص الذين يزورون مصر، مثل نيكسون وتشي جيفارا، كان لهم نصيب من حضنه الدافىء.
عرف ناصر أهمية الصور. و كان على علم بأن الرسالة الصحيحة يمكن أن تصل إلى الامة بأكملها - حتى هؤلاء الذين لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، أو الذين يعيشون بعيدا عن العاصمة. وكان لناصر وجود كبير كزعيم. و لم يكن بحاجة إلى أي تكلف أمام الكاميرا. فحتى لو التقطت له صور من الخلف فهو لازال يبدو قوياً و ذا سلطة. قبًل وعانق الحشود وحتى الاشخاص الذين يزورون مصر، مثل نيكسون وتشي جيفارا، كان لهم نصيب من حضنه الدافىء.
ش
تعلمنا كأطفال أن نكون فخورين ببلدنا. أردنا أن يكون لدينا زعيم قوي - مثل الفراعنة في العصور القديمة. وكانت صناعتنا متنامية و شارك الجميع في بناء هذه الأمة العظيمة. في هذا الوقت كان هناك أغنية شعبية للغاية لمطربنا الكبير الوطني عبد الحليم حافظ، كانت تدعى "صورة". و كانت تحكى عن شعب مصر – عمًالً كانوا أو أطباء , رجالً أو نساءً جميعهم جزء من صورة مصر. " "صورة" هى ثورة العامل و العرب و الأنسان!".
أ
يتذكر الجميع ناصر، كان ممن عاصروه أم لا. أراد خليفته أنور السادات أن يكون له نفس ذلك التقارب من الشعب. ولكن السادات لعب هذا الدور كممثل محترف – و أعتلى مسرح المناسبات الإعلامية الكبيرة. وكان فاروق إبراهيم، المصور المعروف الخاص بالسادات صديق والدي وزار منزلنا فى كثير من الأحيان. أتذكر العديد من لوحاته؛ كنت ترى فيها السادات كقائد فرعوني يحمل وتد في يده، أو كرجل قرية بسيط يرتدي الملابس التقليدية، أو كرب أسرة مع زوجته الجميلة وأطفاله في حديقة الفيلا، أو كما شخص عادي يحلق ذقنه في الحمام مرتديا الملابس الداخلية فقط. تسببت هذه الصورة فى الكثير من المتاعب. فنحن في مصر لم نعتد إظهار هذا النوع من الخصوصية. فقط أحب السادات وسائل الإعلام.
أ
لقد بدأت حياتي المهنية كمصور في الوقت الذي كان الناس يخافون من الكاميرات. وكان التصوير في الأماكن العامة ليس شائع واللافتات التى يكتب عليها "لا توجد صور" كانت في كل مكان. كانت البلاد خائفة من جواسيس إسرائيل واعتقد الناس أن الكاميرات قد تضر بهم – أو بالأصح بصورة مصر. كنت في كل مرة أخذ صورة يلقى القبض على. كانوا يعلمونني في جميع مراكز الشرطة ويسألوني: "أي نوع من الصورة أخذت الآن؟" لكني أحب شوارع القاهرة والناس - لم أكن أرى الخطأ في تصويرى لهم.
أ
ولكن كان الذهاب إلى استوديو المصورين أمرا منتشرا في هذا الوقت. كنت قد بدأت العمل في استوديو السيد انترو، وهو مصور يوناني مشهور جدا. ألتقط صور المشاهير و المطربين ... والممثلين وحتى الرئيس السادات. وحتى اليوم لدي صورة صورت عن طريق الصدفة: السيد انترو يقف بجوار السادات، لا يزال مسلط الضوء في يديه. كان السادات يقف مستعدا فى زيه اللطيف حتى و نحن لا نزال نضبط أجهزتنا. كنت عصبيا جدا وسحبت الزناد عن طريق الخطأ. كان امرمشين آنذاك ولكن عندما وجدتها بين بعض الصور السلبية القديمة ذلك فاجأني. تبين الصورة دقة السادات - دائما في أتم هيئة البطل.
أ
خلال موكب النصر في عام 1981 اغتيل السادات الذي كان يجلس بجوار مبارك، أمام الكاميرات الدائرة. خلال موكب النصر في عام 1981 كان يجلس على منصة بجوار مبارك، الذي كان نائبه. وكلاهما يرتدون بدلات مطابقة، التي صممت خصيصا لهذه المناسبة،و هى مستوحاة من الزي النازي. في أثناء العرض، كسر بعض الجنود الصفوف وبدأوا يطلقون النار على المنصة. قتل السادات وأصيب مبارك فقط، حتى لو أنه كان بجواره. في السنوات الأخيرة من رئاسته، كان السادات أصبح هذا القائد المستبد. كان لا يحظى بشعبية في العالم العربي كله، وذلك بسبب علاقته بإسرائيل.
لم يستغرق حسني مبارك وقتا لتوليه السلطة وأتذكر هذا الوقت كان هادئ جدا. لم تكن هناك أحداث كبيرة احتفالا بالقائد العظيم، كما هو الحال في عهد السادات. فلقد رأى ما حدث للقادة غريبى الأطوار وحافظ على المسافة بينه و الجمهور. في الصحيفة رأينا صورا لمبارك في الاحتفالات الرسمية، عندما افتتح مدرسة أو جسر في بيئات تحت كامل السيطرة. في الثمانينات، كنت أعمل في مختبر للأهرام، وتطوير فات الفيلم. لم تكن صور ذلك الوقت مثيرة للاهتمام – فقط رسمية للغاية.
أ
في وقت لاحق من ذلك بكثير كنت واحدا من نحو 30 مصور الذين سمح لهم دخول القصر الرئاسي. وكان لمبارك الكثير من المصورين ، لذلك لا أحد منهم يمكن أن يقترب منه. بالطبع كان لشرف أن أتي إلى القصر، ولكنهم عاملونا بشكل سيء للغاية. فقد كان علينا أن نحاول دائما أن لا نُرى. عندما كان هناك زوار دوليين، كان لا ينبغي لنا أن نصور الضيوف و هم يعقدون أرجلهم أمام الرئيس. كان هذا يحط من الاحترام لمبارك. كان علينا إما تغطية الساقين بنبات أو زاوية منضدة أو إن الساقين ستتحول مع زوج مختلف في المختبر. لم تترك الصور التي اتخذناها القصر الرئاسي. كان علينا تقديم لفافات الفيلم أو بطاقة الذاكرة في وقت لاحق ، قبل أن نغادر.
أ
خلال رئاسة مبارك نشرت الأهرام صورة للرئيس على الصفحة الأولى كل يوم تقريبا. كنت تراه يرتدى بدلته وابتسامته المميزة ، التى بدأ يسخر منها الناس. تلك الابتسامة التى احصلته علي لقب "لا فاج كيرى" بعد البقرة الضاحكة لهذه العلامة التجارية للجبن الشهيرة. وكان الشيء الوحيد الذي تغير بمرور الزمن، أنه كان يكبر فى السن. كان رد فعل قسم الصور هو إضافة لمسات و روتوش لوجهه لتعزيز كرامته.و كانت الفضيحة، عندما قامت الأهرام بتعديل تقني (أدوات الفوتو شوب) لصورة لمحادثات السلام في الشرق الأوسط في البيت الأبيض، حيث كان كل زعماء العالم فى مقدمة السجادة الحمراء فقامت الصحيفة بوضع مبارك أمام الصف، بينما كان يسير في الجزء الخلفي من الجميع. أرادوا أن يقدموه كإله فرعوني -كشاب مفتول العضلات وليس كمريض وكبير السن.
المشهد الرابع: الآخر
في نهاية التسعينات عرض على منصب رئيس قسم الصور. عندما كان والدي مسؤولا عن هذا المكتب، كان هناك شخص يسيطرعلى شكل ومحتوى الصحيفة. أتذكر والدي عند عودته إلى المنزل، وحديثه عن مشاجرات بينه وبين هذا الرجل - انه لا يعلم شيئا عن التصوير وكان مجرد غبي عسكري! ولقد اختفى هذا الشكل من الرقابة المباشرة فى الأهرام، ولكن كان كذلك حال المناقشات حول الرقابة بأكملها. لم يتحدث أحد عن القيود التى شعرنابها. وكانت ا لسيطرة الآن في ذهن الجميع. جميعنا كان يخشى عدم تلبية متطلبات الحكومة – وأصبح كلٌ من شأنه أن يراقب الآخر. كان هناك تقسيم واضح عن أولئك غير المدرجين في إطار الصورة الوطنية بعد الآن: الناس في مدينة الموتى في القاهرة كانوا أفقر من أن تكون ممثلة، لا يمكن لفتاة محجبة أن تظهر في الصحف لأنها لا ينبغي أن تكون مثال على المرأة في البلد، والمزارعين في الواحة، كانوا بعيدة جدا جدا وتقليديين جدا والناس في سيناء كانوا جميعهم من المهربين واللصوص، فرد في العمل كانيعتبر قذر ومتخلفd - لا يمكنك تصوير هذا ! أنهم كانوا غالبية السكان ولكنها كانت لا تناسب صورة مصر فى مبارك - كل هؤلاء الناس. كان يفكر فقط فى جزء صغير من السكان، وهؤلاء الناس كانوا يعيشون مثل الملوك. كنت قد رفضت منصب رئيس قسم الصور. أردت أن أكون مصور. شعرت أنه بهذه الطريقة أستطع إظهار جمال الأشياء. لقد كنت اعمل على ريبورتاج عن راقصين الصوفية. كان الجماعة الدينية أن تكون تحت غطاء لكنني تمكنت من تتبع حركتهم على مر السنين وكنت قد جمعت مواد مدهشة. كنت ترى النساء المسنات في نشوة يهتفون. ورجل يرقص . وكان هذا غير وارد لنشر، لكنني كنت اعرف جمال التآزر سيكون له لحظاته.
كصحفيين مصورين، والأهم من ذلك كله كمصريين، كنا نعلم حال البلاد. كان الناس يعملون ويعيشون في ظروف سيئة للغاية. لم تتمكن الأغلبية من كسب لقمة العيش، حتى ولو كانوا يعملون بجد. كان هناك نقص في الغاز والوقود وحتى الخبز. وكان مبارك يتبع نموذج السادات من الاستثمارات الأجنبية والخصخصة. كان الفساد الهائل وكان قد قبل تمويل دولي ضخم مما أوقع مصر فى الديون والفقر. بدأ العديد من الناس حتى الأكاديميين مغادرة البلاد، للبحث عن عمل في الخليج. كان هناك الكثير من الاحتجاجات منذ عام 2006 ولكن لم تتم تغطية أيا منها في وسائل الإعلام الرسمية. نظرا لوجودالقنوات الفضائية والإنترنت في وقت لاحق كان هناك صحافة مستقلة متنامية. حاولوا لفت الانتباه إلى الحقائق التى كانت الصحافة الحكومية تتجاهلها.
ونحن، كصحفيي صورة بالأهرام، لن يتم إرسالنا لتغطية أى اضطرابات سياسية. إلا إذا كانوا يريدون تقديم الاضراب كشيئا سيئا يؤثر بالسلب على الاقتصاد أو البلد. لم نكن بجانب الشعب قط الذي كان يقاتل من أجل تحسين الأجور أو تحسين ظروف الحياة. لم يكن مهما أي نوع من الصور اتخذناها. كانت إما أنها لا تنشر أو يتم استخدامها لإثبات شيء مختلف تماما. لم يكن من المنطقي التورط.
كان هناك حادثة وقعت في المحلة عام 2008، كانت الأمور خرجت عن السيطرة. وأرسلنا لتغطية إضراب العمال في مصنع. كان المكان عندما وصلنا مليئ بالشرطة السرية، لإعطاء الانطباع بأن كل شيء هادئا جدا. كان من الواضح أن هذا ما كان لدينا لتصويره. ولكن بدأ العمال محاربة الشرطة ونحن كمصورين فجأة أصبحنا فى صفوف المتظاهرين. وبدأت الشرطة الآن الهجوم المباشر على كاميراتنا - فهم لا يريدون أن تؤخذ صور. كنت أعلم عن اعتقال مصورين لوكالة الصحافة المستقلة في إطار احتجاجات مماثلة، وبعضهم تعرض للضرب أو التعذيب. وخسر آخرون عيونهم بطلقات مطاطية أطلقت من قبل الشرطة.
إذا رأيت نفس الصور في الصحف كل يوم على مدى سنوات وعقود من طرق وجسور يفتتحها الرئيس في مراسم جميلة المظهر، تعتقدون أن كل شيء على ما يرام ... وسوف يكون هكذا دائما. استحوذت هذه الصور على عقول الناس. كانوا يريدون حتى أن نعتقد أن هذه هي الحقيقة الوحيدة ... وانهم يحمون هذه الصورة! إذا كنت تريد التقاط صور في الأحياء المحلية، فإن الناس يقولون لك لا تأخذ صورة. شعروا أنهم لا يستحقون ان تلتقط لهم صور بل شأنه أن يضر صورة مصر! شعر الناس بالسوء تجاه حياتهم الخاصة ، ولكن كانوا يعتقدون أنه خطأهم. لا أحد يلقى اللوم على الأثرياء الذين يراهم الجميع على شاشة التلفزيون أو في الصحف - حتى لو كان الجميع يرى أن هذا كان خطأ.
عندما حاولت تغطية نقص الخبز في أحد أحياء القاهرة، سألنى رجل لماذا أردت أن أقدم البلاد في حالة سيئة. قلت: عملي هو إظهار الحقائق وقال: عملك هو لحماية مصر. وقد كان في نيتي اظهار كيف وقف أهل الحي جنبا إلى جنب، وتبادلوا ما كان قد تبقى. اعتقد انني حتى لو كان لدى ما يكفي من الشجاعة للتعبير عن ما رأيته حقا - لم يكن ممكن أن اتحمل ان افقد وظيفتي. كنت قد حاولت دائما ان اجعل المشاهد السيئة تبدو لطيفة - ولكن لا تزال تظهر شيئا حقيقيا. بهذه الطريقة وصلت الكثير من الصور الخاصة بي الى الصفحة الأولى - حتى لو أظهرت شيئا مختلفا.
كنت اتابع 18 يوما من الثورة من سريري في مستشفى القصر العيني . من النافذة كنت أرى سحبا من الغاز المسيل للدموع ولكن بدا كل شيء هادئا. من بعيد يمكنك أن تسمع ضجة الجماهير وأحيانا الأصوت المبهمة للقنابل المسيلة للدموع. في وقت لاحق تصاعدت أصوات البنادق ، وصفارات الانذار وسيارات الإسعاف.
كنت أحصل على النسخة اليومية للأهرام ولكن لم اعثر على أي تغطية لتصاعد الأحداث فى ميدان التحرير. تناولت الصحيفة كالمعتاد، الحديث عن الدولة والسكن و بعض الأحداث في لبنان. عندما لم يعد ممكنا إنكار تظاهرات الناس ، قامت بنشر عنوانا يقول: الآلاف يخروجون فى مسيرات يؤيدون مبارك ! كان هناك جهاز تلفزيون في الغرفة: م كان التلفيزيون المصرى يعرض منظر لكورنيش النيل، حيث تم عرض المدينة في ضوئها جميلة، كما لو كان كل شيء هادئا تماما. كانوا يبثون هذه الصورة السياحية الرومانسية، بينما يقتل أناسً في ساحة التحرير.
وصلت لنا الحقائق بطرق مختلفة – بدأت المستشفى تمتلىء بالمصابين. كان هناك شاب ملقى بجواري ، كان قد أصيب بطلق خرطوش في وجهه بينما كان يلتقط صورا بهاتفه المحمول. بوجهه المتورم أخذ يحدثني عن عنف الشرطة. لكنه كان أكثر اندهشا إزاء المجتمع فى ميدان التحرير. دعم الناس بعضهم البعض بكل الوسائل في الاحتجاج. كان قد سجل كل شيء على هاتفه المحمول - حتى اللحظة التي أطلقت عليه النار. وأرانى كل ما سجله : الذين بقوا في الخيام، وقضوا ليالي يعزفون على الجيتار، والمستشفيات الميدانية التي بنيت لعلاج المصابين وجماهير الشعب الذين كانوا يرددون الهتافات . كنت أشعر بالفخر بكل هؤلاء الرجال و النساء الذين استطاعوا التعبير عن أفكارهم في نهاية المطاف! أعجبنى أحد الفيديوهات بشدة: كان يصور لواء الشرطة بيد واحدة، في حين أنه كان يلقي الحجارة باليد الأخرى. كان يصرخ في وجه الشرطة: "عيش وحرية وعدالة اجتماعية!" كان التسجيل مهتزا لكن لم يهم – كان هذا تسجيل رسالة لنفسه ومستقبله.
فجأة نبض هاتف جاري في الحجرة بالحياة مرة أخرى . فقد كانت الحكومة قد علقت خدمات الاتصالات لمنع انتشار المعلومات واللقطات من الميدان. الآن احتشدت شاشته بإرسال واستقبال الرسائل،و التويت، والصور وأشرطة الفيديو، التي تم إرسالها وكذلك التعليقات. وفوجئت أنه كان بإمكانه أن يستمرفى معركته حتى من سرير المستشفى - شعرت أنني لم أكن قادرعلى احداث أي فرق لو أننى كنت هناك.
أ
بعد الثورة أصبحت الأهرام تعمل بدون اتجاه. فلقد ظلت موالية لحكومة مبارك حتى النهاية.والآن صار لازما اتباع القيادة الجديدة , لكنها لم تكن تعرف كيف تضبط وضعها: هل تدعم الناس في الشارع أم حكم العسكر المشكور حديثا ؟ مهما فعلوا - كانوا من النظام القديم ولم يعد أحدا يثق بهم بعد الآن.
كان قد امتلاء العالم عن أخره صورا من ميدان التحرير. كانت الصحافة الدولية تحتفل بصورة أمة بطولية التي استطاعت أن تهزم زعيمها فى مسيرتها نحو الحرية. كان كل شيء يدور حول الأعلام الضخمة التي حملها الآلاف من الناس وحسنوا الطلعة من الشباب والشابات بوجوههم الملونة بالأحمر والأبيض والأسود. كل هذا جعلني فخورا ولكن حزينا في الوقت نفسه - كان علينا الآن مواجهة صورة جديدة لمثاليتنا - هذه المرة على الساحة الدولية.
أ
كنت قد تعافيت من نوبة قلبية وعدت إلى العمل، وعندما أرسلني الأهرام لتغطية الثورة أمام وزارة الداخلية. لم يكن هناك شرطة لحماية البيانات، مثل قبل. كنت قد صعدت إلى هذا السطح، حيث تمكنت من مشاهدة كل شيء بأمان. ورأيت الصورة أمامي كأن المشاهد تتكرر، كنت قد رأيت هذا أيام الثورة: المتظاهرين يلقون الحجارة والجيش يرتد، ويضخ الغاز المسيل للدموع في الجماهير. بعد أن كنت قد اصبت ببعض الطلقات توقفت للحظة وشاهدت الناس فقط.
استغرق الأمر مني بعض الوقت حتى أتمكن من لفت الانتباه إلى التفاصيل. رأيت الكثير من الناس تلتقط المشاهد بهواتفهم النقالة. لم تكن صوراً فقط، فكاميراتهم كانت تسجل كل شىء دون توقف. كنت أرى أن الناس كانوا يقاتلون الصور التي قد خدعتهم لفترة طويلة بالصور الخاصة بهم. وكان الخوف من الكاميرات اختفى تماما والآن أصبحت أداة لمعرفة ما يجري. كان الناس على وشك خلق شيء رائع من العدم- بهذه الصور و بأصواتهم. حتى لو كان الكثير من هذه اللقطات سيبقى فى طى الغيب، فهم مصدر ادراك- لاوضاعنا، لحياتنا، لما نريد ولما نحن عليه.
أنا
وصل الناس إلى مرحلة حيث صاروا يقومون بتكوين فعال لهذه الصورة إما بتواجدهم فيها أو بخلقها. وأخيرا تقبلوا الواقع كاملا بدون أى تنقية – ذلك الواقع الذى طالما أنكروه.
كنت قد حزمت الكاميرا بعيدا. كنت خائف جدا وعجوز جدا لأكون بين الحشد. لم يرد أحد صور لطيفة لما يجري. ما كان يحدث من حولي كان أكثر قيمة من أي صورة يمكن أن ألتقطها. من هذه النقطة فصاعدا كل ما يمكن أن يحدث للبلاد لا يستطيع أن يمحو هذه اللحظة من التعبير عن الذات لشعب مصر.
Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen