Donnerstag, 17. Oktober 2013

كايا بيهكالام : ظهر مرآة التحرير


كايا بيهكالام
لقطات ڤيديو من رحلات في الظلام لكايا بيهكالام، استطلاع بصري صوتي لمنطقة وسط البلد في القاهرة أثناء حظر التجوال المفروض من المجلس الأعلى للقوات المسلحة من فبراير وحتى مارس ٢٠١١

حظر التجوال، حالة الاستثناء التي تصبح صورة، التي كانت محاولة لاستبدالها بصورة أخرى، الصورة المهيمنة للنهار.


ظهر مرآة التحرير

كايا بيهكالام

يوم ٢٨ يناير ٢٠١١، وبعد ثلاثة أيام من بداية الاحتجاجات التي اجتاحت شوارع القاهرة، وحتى ١٥ يونيو،  فرضت السلطات المصرية حظراً للتجوال ليلاً داخل المدينة. بدعوى تأمين المدينة وسكانها، وكانت أماكن المواجهات السياسية مجبرة على الإخلاء بعد منتصف الليل، وأحياناً في بداية المساء. أما المساحة الواقعة بين ميدان التحرير، ومحطة رمسيس، ومن ماسبيرو وحتى مبنى دار القضاء العالي، المساحة التي تنبض بالتوتر خلال الليل تتغير على نحو جذري، بينما تدخل في حالة من الفضاء، والسكون، والسكوت الغريبة عن العاصمة.
وبنفس الطريقة التي تغطي بها القصة التي تروى على السكوت تحتها، فإن كل صورة جديدة تغطي الصور الأخرى السابقة. في هذا الصدد فإن الفطرة المتناقضة التي لا يمكن التغلب عليها تجاه الفعل المتمرد تعبر عن نفسها. وكتعبير عنف وإبادة بالأساس،  فإن الفعل المتمرد لا ينجح أبداً في إجتثاث الصورة التي يرغب في استبدالها. تمضي الصورة ذات التعليق في حياتها كأثر، على صورة الحاضر الغائب للصورة الجديدة التي أخذت مكانها. وتظل الصورتين المستبدلة، والمبدِّلة مختلطتين، ومرتبطتين ببعضهما البعض، على نفس النحو الذي يترتبط به السطح الممثل لظهر المرآة بوجهها. وقد اتبعت أحداث الشارع منذ ٢٥ يناير ٢٠١١ ذات الجدلية الحادثة بين وجه وظهر المرآةإن حظر التجوال، وحالة  الاستثناء المتحول إلى صورة، كانت محاولة لاستبدال الصورة المهيمنة لليوم. وبديلاً عن ذلك كانت الصورة الليلية ظهراً لمرآة النهار، تعرض للمشاهد إمكانية لفهم طبيعة الأحداث النهارية: وكأن حظر التجوال الليلي يطفو على سطح النهار ويعكس انتفاضاته، إن فكرة ظهر المرآة "تعود إلى صفيحة ورق الألومنيوم الملصقة على الجانب الخلفي من المرآة...والتي بدونها لن يكون هناك إنعكاس أو أي إمكانية لفعل براق أو تأملي، ولكنها في ذات الوقت ليس لها مكان ولا جزء من الانعكاس للمشهد المتألق."
لقد كان حظر التجوال هو محاولة يائسة لاستعادة السيطرة على النظام البصري للمدينة، ومن خلال نبذ الحضور والرؤية كان حظر التجوال إجراءً مضاداً لرد الفعل البصري لدوائر الوسائط البصرية التي استخدمها المحتجون في الميدان بكثافة. وكل من اجترأ على خرق حظر التجوال، كان يرى مسرحاً مستعد لاستقبال العرض القادم بعد قليل، سكون ما بين العروض، في انتظار أحداث تملؤه. وكان غياب الناس الفجائي عن المشهد يجذب عناصر أخرى تحت الأضواء: العمارة، الإضاءة وبقايا اليوم السابق. فما الذي كان ذلك المسرح في انتظاره؟ في أثناء النهار، يقوم الممثلون للمشاهد، المختفون في اللحظة الراهنة، بمناقشة أنصبتهم في مجتمع ما بعد الثورة، في تلك الشوارع والأمكنة نفسها. وفي الليل، كانوا يذهبون إلى مضاجعهم، بينما يكافحون الحظر العسكري للوجود في الأماكن العامة بالمملكة غير المحدودة لخيالاتهم، التي تحركها هياكل اللاوعي المشتركة.
قمت، وقد أبهرني الفراغ الفجائي، بجولات في وسط القاهرة أثناء حظر التجوال في فبراير ومارس ٢٠١١، أرصد الصورة التي صُنِعت كي لا يراها أحد. وفي أثناء الأيام التالية لجولاتي الليلية،  كنت أتصفح "مشروع الممرات" لوالتر بينچامين الذي وجد طريقه إلى حقيبة سفري بالصدفة بينما كنت قادمة إلى قاهرة ما بعد الثورة. إن العلاقة المعقدة بين الخيال الجمعي، والعمارة، وبين الوكالة السياسية تمر من خلال "مشروع الممر" كخيط رابط. فبالنسبة لبينچامين تعكس الصلة بين الماضي والحاضر العلاقة بين الحلم والعالم المنتبه. ومن خلال تلك القراءة فإن دراسة التاريخ تأخذ شكل ترجمة الحلم التي تبدأ عملية صحوة سياسية.
إن إنعكاسات بينچامين للرغبات الباطنية (اللاواعية) والآمال التي تتشفر في العمارة وفي صور أخرى "مرامة"والتي "يرفّه فيها كل عصر صور العصر السابق" كانت مبنيّةً على باريس القرن التاسع عشر. وكان مدعاة لدهشتي أن المساحة المحيطة بي من امتداد الشوارع من ميدان التحرير، وحتى ميدان العتبة، بمبانيها المتهالكة التي تشبه عمارة عصر الروكوكو، وميادينها الفسيحة وممراتها المشجرة أثبتت أنها المكان المناسب لقراءة هذا العمل. ويسمى وسط المدينة في القاهرة بالعامية المصرية "وسط البلد"، ويعني حرفياً "قلب" البلاد، وقد تم تحديث تلك المنطقة بتأثير واستشارة من نفس متخصص التخطيط العمراني الذي أعاد تخطيط العاصمة الفرنسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: البارون هاوسمان. وكان تصور هاوسمان ينطلق من استخدام العمارة كوسيلة لاكتساب السلطة والسيطرة على المواطنين، وكان لها عظيم الأثر على الكثير من المدن الحديثة، ذلك السياسي  الذي نال حظاً وافراً من النقد اللاذع في كتابات بينچامين. فبينما قامت الثورة الفرنسية في الشوارع والأزقة الضيقة لفرنسا العصور الوسطى، حيث كان من السهل وضع متاريس وحواجز، والسيطرة على مناطق بأكملها من المدينة دون الحاجة إلى معدات عسكرية مكثفة، كلّف نابليون الثالث هاوسمان بتصميم مدينة يمكن السيطرة عليها بسهولة من قبل السلطات. لذلك أصبحت باريس الجديدة بخطوط منظورها الممتدة مثالاً لوسط البلد في القاهرة، بأوامر من إسماعيل باشا، خديوي مصر.
وبينما كانت تلك المنطقة المؤدلجة بدرجة عالية من المدينة مسرحاً للمواجهات السياسية، يمكننا قراءة أحداث الثورة المصرية كصورة معكوسة للعمارة المراقَبة لميشيل فوكو في فكرته عن "النظام الرقابي" الذي تخضع له المدينة الحديثة. إن مضمون الاحتجاج يعيد صياغة سلطة السيطرة والترجمة لصورته الذاتية في الفراغ العمراني في الوسط الناقل لردود الأفعال، على السطح الناتج عن تزامن إنتاج وإدراك ونشر الصور. وفي مصطلحات المسرح، فإن  "الإضافي" الخاضع يصبح ممثلاً، وعاملاً فعّالاً، ومشاهداً في نفس الوقت، ويتطور المحيط العمراني المخطط ليصبح مسرحاً مفتوحاً، مستعد للتوظيف. فأي سطح هنا قد لا يكون نوعاً جديداً من الذاتية، لكن فراغ للإسقاط تتفاعل مضامينه فيما بينها، مضمار للخبرة موجود خارج المضمون. يتعرف ڤيليم فلوسر على ذلك بقوله: "حينما نبدأ الإسقاط، فإننا نتوقف عن أن نكون ذاتاً للموضوع، لكننا نصبح إسقاطاً للذات (Entwürfe für Gegenstände)، التي لم تعد خاضعة للموضوع."
وحينما نواجه ذلك الفراغ ذو الخبرات المتزامنة، فإن "الصورة البلورية" لديليوز، فإن الحضور الحقيقي، والافتراضي والاحتمالات تختلط وتتضاعف، ولا طريق للعودة.
من تلك اللحظة على أي صورة، بما في ذلك الثورة على الحظر، فإن الإعتام أو العمى لمنظور الرؤية، لا يمكن إدراكه والتعامل معه بوصفه علامات مستفزة للسياسات الشمولية، وإنما جزء هام من العناصر المكونة للسطح الذي يقدّم أساس، ظهر المرآة، للإنعكاس البصري التحرري.

Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen