مدخل
تحولات عمرانية
لقد أطلق الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني شرارة عملية تحول تركت أثراً غائراً في العلاقات ما بين اللغة والمكان والجسد الإنساني، بحسب ما جاء في مقال سامية محرز "لغة التحرير".
لقد كشف هذا التحول عن وجهه بشكل يحتذى به في إطباق السيطرة على ميدان التحرير، والذي تحول من كونه مجرد حيز للاستخدام الشعبي إلى أن يصير "ساحة شعبية حقيقية" بحسب وصف محمد الشاهد. لقد صار الميدان حيزاً للتفاعل المجتمعي، بقعة محورية للتعبير عن الاحتجاج والاحتفال السلمي، ومختبراً لإعادة التمثيل المؤدّى للحدث السياسي في صورة الرسوم الهزلية وبنوك الصور الجمعية والهتافات والقراءات الشعرية والغرافيتي السياسي ومراسم التأبين المرتجلة والتي امتزج فيها كلها الحضورين المدني والفني.
أطلق النشطاء على ميدان التحرير "قلب المدينة الفاضلة" تعبيراً عن توق إلى إعادة مراجعة الفوارق الطبقية والنوعية والدينية التي تقسم البلاد، ففي الميدان تمثلت المدينة الفاضلة في رجال ونساء يقاتلون ويفترشون الأرض جنباً إلى جنب، وفي أقباط يشكلون دروعاً بشرية تحمي رفاقهم المسلمين وقت صلاتهم، الذين ردوا جميل إخوانهم حين انضموا للتظاهرات التي احتجت على الاعتداءات على غير المسلمين، وفي حشود اجتمعت من دون تسلسل سلطة هرمي ورفضت مفهوم القيادة الفردية.
وعلى ضوء ما لا حصر له من اللطمات السياسية التي تلقتها تطلعات ومطالب ثوار الساعة الأولى، ترى محرز أن "السلطة المكتسبة والمتولدة عن تملك المرء للحيز الذي يشغله ولجسده وللغته" تجسّد منجزات الثورة على صعيد بين-شخصي، بينما تحافظ على إمكانية التفاوض على الصعيد المجتمعي الأكثر عمومية.
فلنعط أنفسنا برهة لتأمل العلاقات التي تربط ما بين الحيز العمراني والحيز المجتمعي فيما يتعلق بالنص، فيما يتعلق بسيناريو الفعل الذي يتجسد في صورة رسوم هندسية معمارية ومخططات عمرانية كبرى وضعت بغية تأطير شروط التفاعل المجتمعي عن طريق – على أبسط المستويات – تحديد أي اتجاه يمكن أو لا يمكن لجسد متحرك أن يسلك، وأي نقطة يمكن أو لا يمكن للناس أن تحتشد فيها، وأي بقع يمكن أن تغدو نقاط اتصال ما بين تكتلات المدينة المتواشجة. بوسعنا أن نلمس كيف تتحقق رؤية مدينة جديدة تكتب حرفياً على أجساد المحتجين من المواطنين حينما يلتفحون بلافتات تعبر عن مواقفهم، وحينما يدونون عبارات على أجسادهم وعلى ملابسهم وعلى ما يرفعون من لافتات، وعلى خيمهم التي نمت كالفطر في ميدان التحرير كي تأوي كيفما اتفق من أوت في فترات الاعتصامات الكثيفة.
وبهذا الصدد قد نقتفي أثر مفهوم النص بوصفه شكلاً من أشكال الرسم (Urzeichnung) تغرّب عن الجسد حينما تجمد في نظام الرموز الهجائية. بوسعنا أن نتأمل عودة هذا النص إلى الجسد في صورة كتابات تستخدم حرفياً الجلد البشري وسيطاً لها.
إن هذا النص الذي يستخدم الجسد نسيجاً يخط فوقه يعبّر عن نقلة في تعريف الحيز العمومي، ويطرح شروطاً جديدة لما ندعوه مجتمعاً. على صعيد الإمكانات فإن كاتبي هذا النص يدفعون بمقاطع شخصية إلى قلب عملية صوغ تشريعات جديدة ودستوراً جديداً ونظاماً مجتمعياً جديداً ومطالباً جديدة لتخطيط المستقبل العمراني. وفي رفضه للوضع الراهن يتدفق مخطط المدينة المنافس هذا إلى ما جاور قلب المدينة الفاضلة، فيصل إلى جدران المجمع، تلك البناية التي تشغل موضعاً في قلب الإدارة الحكومية، ويتحول إلى خربشات تكسو الأنصاب التاريخية التي تملأ ساحات وسط المدينة، ويكسو جدران ممرات مترو الأنفاق، ولا يسلم منه تراب الأرض، فيحمل ما كتب وما أعيد كتابته وما نقح وما مهر بتوقيع وما استولي عليه وما أعيد لأصحابه وما أعلن عنه وما يتم التفاوض بشأنه وما ينكر.
يردد هذا السرد اللا-خطيّ والتفاعلي أصداء الجدل المحتدم في المقاهي وعلى النواصي وفي المترو بين الغرباء وفي مواقع العمل بين الزملاء والذي يدور بينما يزداد الحيز العام فعالية بموجب أعمال التعبير المفتوح الجمعية التي شهدها العقد المنصرم.
إن ذلك الشعور القوي بالسلطة الفردية في الحيز العمومي، والتي يعبر عنها إعادة كتابة الأحداث وقت حدوثها، ينعكس أيضاً في المداخلات الفنية التي شهدتها الحملات الانتخابية في ٢٠١١-٢٠١٢: إذ قام أمادو الفادني بتوزيع ملصقات "لو كنت رئيس/ لو كنتي رئيسة...” ذات الفراغ المفتوح للمارة للإسهام بآرائهم، وقامت نيني عياش بتنظيم مسيرة للمرشح الرئاسي الوهمي بكابوزا، وقام حمدي رضا، صاحب مساحة أرت اللوا المستقلة للفنون، بإطلاق حملة انتخابية من ملصقات تروج لقيم مجردة شأن المشاركة والمساواة والتسامح.
استهدفت بعض أنماط الكتابة معمار المدينة الرسمي. لقد قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتشييد جدران خرسانية عازلة كي يحد من دينامية التشاهرات في محيط وزارة الداخلية والتي اعتاد المتظاهرون استهدافها. يقول أندرياس سيكلنغر في مقاله المدرج بهذا الفصل، فقد تحدى فنانو الشارع حضور تلك الحواجز البصري باستخدام تقنية الترمبلوي (خداع البصر) العتيقة.
لقد قام المشاركون في "مشروع لا للجدران" بإعادة تصوير المشهد الذي عزلته تلك الحواجز الخرسانية خلفها، وذلك على الجدار نفسه في صورة جدارية تستعين بمنظور النقطة الواحدة. إن نمط الكتابة الذي ينطوي عليه هذا الفعل قد لا يبدو مسدداً صوب سطح الجدار والذي بات بفعله شفافاً مخترقاً، وإنما قد نرى فيه برهاناً على ممانعة فكرة الهياكل العمرانية الجامدة من أساسها، كضرب من ضروب المقاومة، يمهد الحيز الذي تخطّه نصوص المدينة المقنّنة.
تستجيب السلطات - بوعيها بطبيعة تلك الأفعال التخريبية - بمحو لا يكلّ للتصويرات الثورية بينما تعيد بناء جدران في مواضع وتفكك حواجز في أخرى. يذكرنا ذلك الإجراء بعملية التحديث التي شهدتها القاهرة في القرن التاسع عشر، والتي سعت إلى التخلص من إمكانية الثورة الشعبية عن طريق محاكاة نموذج باريس البارون هاوسمان ذو الرؤية الشاملة. وهو النموذج الذي ارتد على نحره حينما رفض الشعب إجراءات حالة الطوارئ واحتشدوا بالملايين.
في مقالها الذي يحمل عنوان "الغرافيتي مسرحاً: أداء الاحتجاج" تصف إليانه أورسولا إتمولر كيف بزخ الغرافيتي علي الساحة في مصر كصيغة فنية فردية نتاجاً مباشراً لاحتجاجات العام ٢٠١١. بحسب إتمولر فإن فن الشارع يشغل وظيفة وسيلة اتصال ديمقراطية بموجب تمكينه للجمهور من الانخراط المباشر في كتابته: إذ بوسع المارة أن يخاطبوا كاتب الغرافيتي في وسط عملية الكتابة، كما بإمكانهم تنقيح العمل في مرحلة تالية إن شاؤوا.
لقد أنشأ كتّاب الصورة معجماً أيقونياً تشكل من موقفهم من المجريات الجوهرية في تاريخ بلادهم المتكشف. لقد ظرت رموز محورية كالنسر والعلم المصري ومنظر ميدان التحرير في كل من الإعلام الرسمي وإعلام النشطاء. بيد أنه وفي سياق الغرافيتي تعرضت تلك كثيراً لقلب معناها التقليدي، كما تشير منى أباظة في مقالها حول تمثيل المرأة في الغرافيتي الثوري. فصار النسر المصري على سبيل المثال "رمزاً غير مستقر" إذ ازداد استخدامه في سياق سلبي حينما بدأت شعبية المجلس العسكري في الهبوط في أعقاب انتهاكات العسكر الوحشية في تعاملهم مع المتظاهرين، والتي بلغت ذروتها أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون بماسبيرو يوم ٩ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١١، والذي شهد عشرات من القتلى.
تعكس رموز من قبيل "الحمالة الزرقاء" قصر المسافة ما بين الأحداث اليومية وترجمتها إلى رموز بصرية، وبين رواج تلك الرموز وتحولها إلى شتى الوسائط. ترمز الحمالة الزرقاء إلى مشهد يمثل وحشية الشرطة وقع يوم ١٨ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١١، حينما ضربت متظاهرة وسحلت وعريت من ملابسها إلا من حمالة زرقاء كانت ترتديها.
قامت صحافي بتصوير الواقعة ورفعت الفيديو على موقع يوتيوب، ومنه انتشرت كالنار في الهشيم. طُبعت مشاهد من مقطع الفيديو رفعها متظاهرون غاضبون. ظهرت لوحة تحاكي أيقونات العصور الوسطى المسيحية، يبدو فيها رجال الشرطة بآذان مدببة وأنياب ناتئة كالشياطين. وفي استشكال تقليلي ظهرت أعمال روسمة لا تحصى انتزعت الحمالة من محدودية الجسد المضروب، فحولتها إلى غرض مستقل بذاته، وبذا صارت الحمالة الزرقاء في شكلها هذا تعبيراً عن وحشية الشرطة وعن المقاومة النسوية في آن واحد.
من الرموز التي تكرر ظهورها ما بين الوسائط الرقمية وجدران الشوارع قناع غاي فاوكس المجهول وفرشاة الرسم كسلاح (مضاد) مذهبي في وجه هراوات الشرطة الضاربة والعدالة المهانة وكلمة "لا" المرسومة بشتى الخطوط، لا لقمع السلطة الشمولية والدينية والذكورية والتمييزية.
إننا نقف شهوداً على مدينة تصير كتابة، وعلى كتابة تغدو مدينة، في تفاوض عميق على الديناميات المتشابكة ما بين الجسد والرمز والحيز العمراني.
Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen